• الرئيسية
  • مقالات

  • المقترح الباكستاني وممرّات الوقت الضيّقة: كيف تُدار نهاية الحرب بين النار والسياسة؟ بقلم: الدكتور علي فواز العدوان

المقترح الباكستاني وممرّات الوقت الضيّقة: كيف تُدار نهاية الحرب بين النار والسياسة؟ بقلم: الدكتور علي فواز العدوان



في الحروب الكبرى، لا يكون الزمن مجرّد إطار للأحداث، بل يتحول إلى أداة استراتيجية بحد ذاته. هذا ما يمكن قراءته بوضوح في المقترح الباكستاني المطروح لإنهاء الحرب الإيرانية–الأمريكية–الإسرائيلية، حيث لا تقتصر المبادرة على وقف إطلاق نار تقني، بل تؤسس لمسار سياسي يحاول الإمساك بلحظة ما بعد الذروة العسكرية قبل انزلاق المنطقة إلى إعادة تشكيل جيوسياسي أكثر خطورة.
إسلام آباد تدرك أن الحرب، في جوهرها، تجاوزت حدود الاشتباك المباشر بين الأطراف الثلاثة، وأصبحت تمس أمن الخليج، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، واستقرار أسواق الطاقة، وتوازنات الردع الإقليمي. من هنا جاء المقترح الباكستاني بصيغة جدول زمني متدرج يبدأ بوقف نار خلال 48 ساعة، يليه أسبوع لتثبيت التهدئة، ثم اتفاق إطاري خلال خمسة عشر يومًا، وصولًا إلى تسوية أوسع في غضون أقل من ثلاثة أسابيع.
لكن القراءة السياسية الأعمق لهذا المقترح تكشف أن الرهان الحقيقي ليس على وقف الحرب، بل على تعريف شروط نهايتها. الولايات المتحدة تنظر إلى عامل الوقت بوصفه نافذة ضرورية لمنع انفجار أسعار النفط واحتواء أي تعطيل طويل للممرات البحرية، خصوصًا في مضيق هرمز الذي يمثل شريانًا حيويًا للطاقة العالمية. أما إسرائيل، فترى في أي هدنة قصيرة فرصة لإعادة تقييم بنك الأهداف وترميم مظلة الدفاعات الجوية وإعادة ضبط قواعد الاشتباك.
في المقابل، تتعامل طهران مع الزمن بمنطق مختلف تمامًا؛ فهي لا تريد هدنة تمنح خصومها فرصة لإعادة التموضع، بل تسعى إلى تحويل نهاية الحرب إلى صفقة استراتيجية أوسع تشمل الملف النووي، ورفع العقوبات، وضمانات بعدم تكرار الضربات، والاعتراف بدورها الإقليمي. لهذا يبدو الرفض الإيراني للهدنة المؤقتة مفهومًا ضمن فلسفة ترى أن إيقاف النار دون معالجة أسبابها قد يكون مجرد تأجيل لجولة أكثر اتساعًا.
المهم في هذا السياق أن باكستان لا تتحرك كوسيط محايد فقط، بل كلاعب يدرك أن نجاحه في هذه الوساطة سيمنحه وزنًا جديدًا في هندسة الأمن الإقليمي الإسلامي والآسيوي. فالمبادرة تمثل محاولة لنقل إدارة الأزمة من الاحتكار الغربي إلى مساحة أوسع تتداخل فيها مصالح الخليج، وتركيا، وربما الصين لاحقًا، ضمن مقاربة أكثر ارتباطًا بأمن الطاقة والاستقرار البحري.
المرحلة الأخطر في هذا الجدول الزمني تبقى الساعات الثماني والأربعين الأولى. فهي ليست مهلة فنية لوقف الضربات، بل اختبار حقيقي لإرادة الأطراف في الانتقال من منطق القوة إلى منطق التسوية. فإذا نجحت، يمكن أن تفتح الباب أمام تسوية أوسع قد تعيد صياغة معادلات الأمن في الخليج. أما إذا فشلت، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة تصعيد تتجاوز حدود الحرب الحالية إلى إعادة رسم قواعد الردع في الشرق الأوسط برمّته.
في تقديري، جوهر المبادرة الباكستانية يكمن في أنها تحاول تحويل الوقت من سلاح استنزاف إلى فرصة سياسية. غير أن نجاحها مرهون بقدرة الوسطاء على سد الفجوة بين هدف أمريكي يريد تهدئة سريعة، وهدف إيراني يسعى إلى مكاسب استراتيجية بعيدة المدى، ومصلحة إسرائيلية تربط نهاية الحرب بشكل اليوم التالي أمنيًا وعسكريًا.
أعتقد أن المقترح الباكستاني ليس مجرد خريطة زمنية لإنهاء الحرب، بل معركة تفاوض على معنى النهاية نفسها:
هل هي نهاية الصواريخ؟
أم نهاية الأسباب التي أطلقت من أجلها الحرب ؟
وهنا تكمن المعضلة التي ستحدد مستقبل الأسابيع القادمة:
من يملك تعريف نهاية الحرب، يملك الرؤيا لشكل الإقليم بعد الحرب.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :