• الرئيسية
  • مقالات

  • استراتيجية الطاقة… حين تتحول البيئة إلى قرار سيادي بقلم الدكتور علي فواز العدوان

استراتيجية الطاقة… حين تتحول البيئة إلى قرار سيادي بقلم الدكتور علي فواز العدوان


للنشر
لم يعد الحديث عن الطاقة في الأردن ترفاً سياسياً أو خياراً فنياً مؤجلاً، بل أصبح في صميم تعريف الدولة لسيادتها الاقتصادية وقدرتها على الاستمرار في بيئة إقليمية مضطربة، وأسواق عالمية شديدة التقلب. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة إقرار استراتيجية قطاع الطاقة للأعوام 2026–2030 باعتبارها خطة حكومية اعتيادية، بل كتحول بنيوي يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة ومصادر القوة لديها.
اللافت في هذه الاستراتيجية أنها لا تنطلق من مقاربة تقليدية قائمة على تأمين الإمدادات فقط، بل تتجاوز ذلك نحو بناء منظومة طاقة ذات بعد سيادي، تقوم على تقليل الاعتماد على الخارج، وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية، وإعادة توجيه الاقتصاد نحو قطاعات أكثر استدامة وأقل كلفة على المدى البعيد.
رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 50% ليس مجرد رقم في وثيقة رسمية، بل إعلان صريح عن انتقال تدريجي من اقتصاد مستهلك للطاقة إلى اقتصاد قادر على إنتاجها وإدارتها بكفاءة. هذا التحول، إذا ما نُفّذ كما هو مخطط له، سيعيد صياغة معادلة الكلفة والإنتاج في الاقتصاد الوطني، ويمنح الأردن هامشاً أوسع في مواجهة الأزمات العالمية.
أما الدخول إلى قطاع الهيدروجين والأمونيا الخضراء، فهو خطوة تتجاوز البعد البيئي إلى تموضع استراتيجي في سوق عالمي ناشئ. فالدول التي ستنجح في هذا القطاع لن تكون فقط أقل تلوثاً، بل أكثر تأثيراً في معادلة الطاقة العالمية. وهنا، يقرأ الأردن المشهد مبكراً، ويحاول أن يحجز له موقعاً في خارطة الطاقة القادمة، مستفيداً من موقعه الجغرافي وموارده الشمسية.
في المقابل، تعكس الاستراتيجية فهماً عميقاً لمفهوم كفاءة الطاقة بوصفه أداة سيادية، وليس مجرد إجراء تقني. خفض الفاقد الكهربائي، وتطبيق كودات الأبنية، والتوسع في استخدام الطاقة الشمسية، كلها أدوات لإدارة الهدر، وتقليل الكلف غير المرئية التي تتحملها الدولة والاقتصاد معاً.
قطاع النقل بدوره لم يعد خارج هذه المعادلة. فالتوسع في المركبات الكهربائية، واستخدام الغاز الطبيعي للمركبات الثقيلة، لا يرتبط فقط بتحسين جودة الهواء، بل بإعادة هيكلة نمط الاستهلاك، وتخفيف الضغط على فاتورة الطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الكلي ومستوى معيشة الأفراد.
وعند الحديث عن مشروع الأمونيا الخضراء في العقبة، فإننا أمام نموذج جديد في التفكير الاقتصادي، يقوم على الربط بين التشريع والاستثمار والتكنولوجيا. فالمشروع لا ينتج طاقة نظيفة فقط، بل ينتج قيمة مضافة، وينقل معرفة، ويفتح الباب أمام صناعات مستقبلية قد تشكل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني خلال العقد القادم.
في الجانب الاقتصادي، لا تقل القرارات المرتبطة بالسوق أهمية عن المشاريع الاستراتيجية. فإعفاء الشركات التسويقية من الرسم الموحد على المشتقات النفطية يعكس إدراكاً لطبيعة التوازنات الدقيقة بين السوق والدولة، ويؤكد أن إدارة ملف الطاقة لا تنفصل عن إدارة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
في المحصلة، نحن أمام استراتيجية تحاول نقل الأردن من موقع المتلقي لتقلبات الطاقة العالمية، إلى موقع الفاعل القادر على التأثير في جزء من هذه المعادلة. النجاح في ذلك لن يكون مضموناً بالقرارات وحدها، بل بقدرة المؤسسات على التنفيذ، ومرونة السياسات، واستمرارية الرؤية.
البيئة هنا لم تعد مجرد عنوان أخلاقي أو التزام دولي، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن الوطني، وأداة من أدوات القوة الاقتصادية. ومن يقرأ المشهد بهذه الزاوية، يدرك أن ما يجري ليس تحديثاً لقطاع، بل إعادة تعريف لدور الدولة في إدارة مواردها ومستقبلها.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :