حرائق القمح في الأردن: هل نحرق حقولنا بأيدينا؟ بقلم أ. د. محمد ناصر حمدان
في الدول التي تدرك قيمة الأرض، يُنظر إلى سنبلة القمح باعتبارها خطا الدفاع الأول عن الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية. أما في الأردن، فبات مشهد احتراق حقول القمح والشعير يتكرر بصورة تثير القلق والأسى والتساؤلات في آن واحد، حتى أصبح الدخان المتصاعد من بعض الحقول جزءاً من المشهد الموسمي الذي يرافق الحصاد.
والمؤلم في الأمر أن هذه الحرائق لا تأتي في بداية الموسم، بل في نهايته، بعد أن يكون المزارع قد استنزف مدخراته وجهده ووقته، وبعد أن تكون الدولة قد انتظرت محصولاً يسهم في تعزيز مخزونها الاستراتيجي من الحبوب. وفي لحظات قليلة، تتحول أشهر طويلة من العمل إلى رماد يتطاير مع الريح.
ليس من المبالغة القول إن حرق حقل قمح في الأردن اليوم هو خسارة تتجاوز حدود المزارع لتصل إلى الاقتصاد الوطني بأكمله. فالمملكة تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها من الحبوب من الأسواق العالمية، وتواجه تحديات متزايدة تتعلق بالأمن الغذائي وارتفاع الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل التوريد. لذلك فإن كل طن من القمح المحلي يمثل قيمة اقتصادية واستراتيجية مضاعفة.
وعندما نتحدث عن الحرائق الزراعية، فإننا لا نتحدث عن خسارة محصول فقط، بل عن خسارة استثمارات مالية أنفقها المزارعون على الحراثة والبذار والأسمدة والمحروقات والري والأيدي العاملة. كما نتحدث عن خسارة عوائد اقتصادية كان يمكن أن تعود على الأسر الريفية والأسواق المحلية والخزينة الوطنية.
لقد سجل الأردن خلال السنوات الماضية أعداداً كبيرة من الحرائق الزراعية والحرجية، بعضها نتج عن الإهمال، وبعضها بقيت أسبابه مجهولة، فيما أثارت حرائق أخرى علامات استفهام واسعة لدى الرأي العام. وبين الإهمال والتقصير والعبث والتخريب، تبقى النتيجة واحدة: أراضٍ محترقة، ومزارعون متضررون، واقتصاد يدفع الثمن.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا تتكرر هذه المشاهد كل عام؟
هل يعقل أن تبقى المحاصيل الاستراتيجية عرضة للخطر دون وجود منظومة حماية متكاملة؟
وهل أصبح من الطبيعي أن نخسر جزءاً من إنتاجنا الزراعي كل موسم ثم نبحث عن البديل في الأسواق الخارجية؟
إن أخطر ما في هذه القضية أنها تمس قطاعاً يعاني أصلاً من تحديات كبيرة. فالمزارع الأردني يواجه ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية، ونقص المياه، وتقلبات المناخ، ومحدودية الدعم، وتذبذب الأسواق. وعندما تضاف الحرائق إلى هذه التحديات، فإن الرسالة التي تصل إلى المزارع تكون قاسية: حتى إذا نجحت في تجاوز كل العقبات، فقد تأتي النار لتحصد كل شيء.
أما إذا ثبت أن بعض هذه الحرائق متعمد، فإننا لا نكون أمام مخالفة أو جنحة عادية، بل أمام اعتداء مباشر على الأمن الغذائي الوطني. فالتخريب الذي يستهدف حقول القمح لا يختلف في أثره الاقتصادي عن أي اعتداء على منشأة إنتاجية أو مرفق استراتيجي. ومن يرتكب مثل هذا الفعل لا يستهدف أرضاً زراعية فحسب، بل يستهدف مصالح الدولة ولقمة عيش المواطنين.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإحصاء الخسائر بعد وقوعها، بل بناء منظومة وقاية حقيقية قبل وقوعها. المطلوب رقابة ميدانية أشد خلال موسم الحصاد، واستخدام الطائرات المسيّرة والكاميرات الذكية، وتفعيل فرق الاستجابة السريعة، وتشديد العقوبات على كل من يثبت تورطه أو إهماله، وإعلان نتائج التحقيقات بشفافية أمام الرأي العام.
كما أن من الضروري إنشاء صندوق وطني لتعويض المزارعين المتضررين من الكوارث والحرائق، لأن المزارع الذي يخسر محصوله بالكامل قد يحتاج سنوات لتعويض خسارته، بينما يحتاج الوطن إلى استمرار هذا المزارع في الإنتاج وعدم خروجه من القطاع الزراعي.
إن الأمن الغذائي لا يتحقق بالخطط والاستراتيجيات وحدها، بل بحماية الحقول التي تنتج الغذاء. والحديث عن الاكتفاء الذاتي يصبح ناقصاً إذا لم يقترن بحماية فعلية للمحاصيل الزراعية من الحرائق والاعتداءات والإهمال.
اليوم، ونحن نرى ألسنة اللهب تلتهم بعض الحقول، يجب أن ندرك أن القضية ليست قضية مزارع في المفرق أو إربد أو الكرك أو الطفيلة، بل قضية وطن بأكمله. فكل سنبلة قمح تحترق تعني مزيداً من الاعتماد على الخارج، ومزيداً من الضغط على الاقتصاد الوطني، ومزيداً من التحديات أمام تحقيق الأمن الغذائي.
إن الدول التي تحترم مواردها تحميها، والدول التي تخطط لمستقبلها تدافع عن أمنها الغذائي كما تدافع عن حدودها. أما نحن، فلا يجوز أن نقف كل عام أمام المشهد ذاته، نحصي الخسائر ونكتب بيانات الأسف، ثم ننتظر الحريق القادم.
فحقول القمح ليست مجرد أراضٍ زراعية، بل هي عنوان للسيادة الاقتصادية، ورمز للاستقرار، وخط الدفاع الأول عن أمن الأردنيين الغذائي. وحمايتها لم تعد خياراً، بل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
والمؤلم في الأمر أن هذه الحرائق لا تأتي في بداية الموسم، بل في نهايته، بعد أن يكون المزارع قد استنزف مدخراته وجهده ووقته، وبعد أن تكون الدولة قد انتظرت محصولاً يسهم في تعزيز مخزونها الاستراتيجي من الحبوب. وفي لحظات قليلة، تتحول أشهر طويلة من العمل إلى رماد يتطاير مع الريح.
ليس من المبالغة القول إن حرق حقل قمح في الأردن اليوم هو خسارة تتجاوز حدود المزارع لتصل إلى الاقتصاد الوطني بأكمله. فالمملكة تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها من الحبوب من الأسواق العالمية، وتواجه تحديات متزايدة تتعلق بالأمن الغذائي وارتفاع الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل التوريد. لذلك فإن كل طن من القمح المحلي يمثل قيمة اقتصادية واستراتيجية مضاعفة.
وعندما نتحدث عن الحرائق الزراعية، فإننا لا نتحدث عن خسارة محصول فقط، بل عن خسارة استثمارات مالية أنفقها المزارعون على الحراثة والبذار والأسمدة والمحروقات والري والأيدي العاملة. كما نتحدث عن خسارة عوائد اقتصادية كان يمكن أن تعود على الأسر الريفية والأسواق المحلية والخزينة الوطنية.
لقد سجل الأردن خلال السنوات الماضية أعداداً كبيرة من الحرائق الزراعية والحرجية، بعضها نتج عن الإهمال، وبعضها بقيت أسبابه مجهولة، فيما أثارت حرائق أخرى علامات استفهام واسعة لدى الرأي العام. وبين الإهمال والتقصير والعبث والتخريب، تبقى النتيجة واحدة: أراضٍ محترقة، ومزارعون متضررون، واقتصاد يدفع الثمن.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا تتكرر هذه المشاهد كل عام؟
هل يعقل أن تبقى المحاصيل الاستراتيجية عرضة للخطر دون وجود منظومة حماية متكاملة؟
وهل أصبح من الطبيعي أن نخسر جزءاً من إنتاجنا الزراعي كل موسم ثم نبحث عن البديل في الأسواق الخارجية؟
إن أخطر ما في هذه القضية أنها تمس قطاعاً يعاني أصلاً من تحديات كبيرة. فالمزارع الأردني يواجه ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية، ونقص المياه، وتقلبات المناخ، ومحدودية الدعم، وتذبذب الأسواق. وعندما تضاف الحرائق إلى هذه التحديات، فإن الرسالة التي تصل إلى المزارع تكون قاسية: حتى إذا نجحت في تجاوز كل العقبات، فقد تأتي النار لتحصد كل شيء.
أما إذا ثبت أن بعض هذه الحرائق متعمد، فإننا لا نكون أمام مخالفة أو جنحة عادية، بل أمام اعتداء مباشر على الأمن الغذائي الوطني. فالتخريب الذي يستهدف حقول القمح لا يختلف في أثره الاقتصادي عن أي اعتداء على منشأة إنتاجية أو مرفق استراتيجي. ومن يرتكب مثل هذا الفعل لا يستهدف أرضاً زراعية فحسب، بل يستهدف مصالح الدولة ولقمة عيش المواطنين.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإحصاء الخسائر بعد وقوعها، بل بناء منظومة وقاية حقيقية قبل وقوعها. المطلوب رقابة ميدانية أشد خلال موسم الحصاد، واستخدام الطائرات المسيّرة والكاميرات الذكية، وتفعيل فرق الاستجابة السريعة، وتشديد العقوبات على كل من يثبت تورطه أو إهماله، وإعلان نتائج التحقيقات بشفافية أمام الرأي العام.
كما أن من الضروري إنشاء صندوق وطني لتعويض المزارعين المتضررين من الكوارث والحرائق، لأن المزارع الذي يخسر محصوله بالكامل قد يحتاج سنوات لتعويض خسارته، بينما يحتاج الوطن إلى استمرار هذا المزارع في الإنتاج وعدم خروجه من القطاع الزراعي.
إن الأمن الغذائي لا يتحقق بالخطط والاستراتيجيات وحدها، بل بحماية الحقول التي تنتج الغذاء. والحديث عن الاكتفاء الذاتي يصبح ناقصاً إذا لم يقترن بحماية فعلية للمحاصيل الزراعية من الحرائق والاعتداءات والإهمال.
اليوم، ونحن نرى ألسنة اللهب تلتهم بعض الحقول، يجب أن ندرك أن القضية ليست قضية مزارع في المفرق أو إربد أو الكرك أو الطفيلة، بل قضية وطن بأكمله. فكل سنبلة قمح تحترق تعني مزيداً من الاعتماد على الخارج، ومزيداً من الضغط على الاقتصاد الوطني، ومزيداً من التحديات أمام تحقيق الأمن الغذائي.
إن الدول التي تحترم مواردها تحميها، والدول التي تخطط لمستقبلها تدافع عن أمنها الغذائي كما تدافع عن حدودها. أما نحن، فلا يجوز أن نقف كل عام أمام المشهد ذاته، نحصي الخسائر ونكتب بيانات الأسف، ثم ننتظر الحريق القادم.
فحقول القمح ليست مجرد أراضٍ زراعية، بل هي عنوان للسيادة الاقتصادية، ورمز للاستقرار، وخط الدفاع الأول عن أمن الأردنيين الغذائي. وحمايتها لم تعد خياراً، بل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق 
الرجاء الانتظار ...