• الرئيسية
  • مقالات

  • الكرك تنزف… والأردن كله يقف معها: دماء الأبرياء لن تنال من وحدتنا

الكرك تنزف… والأردن كله يقف معها: دماء الأبرياء لن تنال من وحدتنا


الكاتب : المحامي نوار السناسله

ليست كل الأخبار مجرد أحداث تُقرأ، فبعضها يوجع القلب، ويثقل الروح، ويترك في وجدان الوطن جرحًا يصعب على الكلمات مداواته. وما حدث في كنيسة حمود بمحافظة الكرك، وفق الأنباء المتداولة، ليس مجرد حادثة أمنية عابرة، بل مأساة إنسانية تمس ضمير كل أردني، وتضعنا أمام سؤال موجع: بأي حق تُزهق أرواح الأبرياء، ويتحول مكان العبادة والعزاء إلى مشهد للموت والفقد؟
سبعة قتلى وعشرات الجرحى، وقلوب أردنية تنزف ألمًا في كل بيت. وراء كل روح أُزهقت حكاية، وخلف كل مصاب عائلة تنتظر وتدعو، ومع كل دمعة أم أو أب أو طفل وجع تعجز الكلمات عن وصفه. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في نشرة أخبار، بل بشر لهم أسماؤهم وأحلامهم وأهلهم وأحبتهم، ولهم حق أصيل في الحياة والأمان والعودة إلى بيوتهم سالمين.
إن استهداف كنيسة، ولا سيما أثناء جنازة، يمثل اعتداءً بالغ الخطورة على حرمة الحياة وكرامة الإنسان وحق الناس في ممارسة شعائرهم الدينية بأمان. فالكنيسة ليست هدفًا، والجنازة ليست ساحة للعنف، ودم الإنسان ليس مباحًا بسبب دينه أو هويته أو انتمائه. ومن يوجه سلاحه إلى الأبرياء لا يعتدي على أفراد فحسب، بل يستهدف القيم التي تحفظ للمجتمع إنسانيته، ويمس حق الأردنيين جميعًا في العيش بأمن وطمأنينة في وطنهم.
وعلى من يراهن على الخوف أن يدرك حقيقة الأردن؛ فهذا الوطن لا يُقسّم بالرصاص، ولا تُهزم وحدته بالجريمة، ولا تتحول دور العبادة فيه إلى حواجز تفصل بين أبنائه.
في الأردن، لا نقف اليوم إلى جانب إخوتنا المسيحيين من باب المجاملة أو المواساة العابرة، بل نقف معهم لأنهم أبناء هذا الوطن وشركاء تاريخه وحاضره ومستقبله، ولأن كرامتهم من كرامتنا، وأمنهم من أمننا، ومصابهم مصابنا. فالمواطنة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل عهد أخلاقي ووطني تتجلى حقيقته حين يتعرض أحد أبناء الوطن للأذى.
إن الأردني الذي يشعر بألم هذه الجريمة لا يسأل عن دين الضحية قبل أن يحزن عليها، ولا يحتاج إلى تذكير بأن دماء الأبرياء متساوية في حرمتها. فالأم التي تبكي ابنها لا يخفف وجعها اختلاف المعتقد، والطفل الذي يفقد والده لا تعوضه الشعارات، والإنسان الذي يُقتل ظلمًا لا يصبح موته أقل فداحة بسبب المكان الذي كان يقصده للعبادة.
ومن هنا، فإن واجبنا اليوم لا يقتصر على الحزن، بل يشمل رفض كل خطاب يسعى إلى زرع الكراهية بين الأردنيين، أو استثمار الدماء لإشعال الفتنة، أو تحميل جماعة كاملة مسؤولية فعل لم تثبت مسؤوليتها عنه. فالعدالة لا تتحقق بالاتهامات العشوائية، والوحدة لا تُصان بالتحريض، والوطن لا يُحمى إلا بالحقيقة والقانون والوعي.
ونطالب بكشف ملابسات الجريمة كاملة، وملاحقة المسؤولين عنها وتقديمهم إلى العدالة وفق القانون، وضمان حماية دور العبادة والمواطنين، ومحاسبة كل من يثبت تورطه دون تهاون أو انتقائية. فالدولة القوية هي التي تحمي مواطنيها، وتكشف الحقيقة، وتفرض سيادة القانون، ولا تسمح للمجرمين بفرض إرادتهم على المجتمع من خلال الخوف.
وإلى إخوتنا المسيحيين في الكرك وفي جميع أنحاء الأردن، نقول: لستم وحدكم في هذا الحزن؛ فقلوب الأردنيين معكم، وبيوتهم مفتوحة لمواساتكم، ووجعكم هو وجعنا. ولن نسمح لجريمة، مهما بلغت قسوتها، بأن تغير حقيقة راسخة في وجداننا: نحن أبناء وطن واحد، تجمعنا الأرض والدم والمصير، ولا يستطيع أحد انتزاع حقنا في العيش معًا بكرامة وأمان.
وإلى كل أردني غيور على وطنه، من شمال المملكة إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، نقول إن الموقف الوطني اليوم لا يحتاج إلى خطابات صاخبة بقدر ما يحتاج إلى كلمة مسؤولة، وموقف شجاع، ووعي يحبط الفتنة، وتضامن صادق مع أسر الضحايا والمصابين. فلنكن سندًا لكل متألم، ولنرفض الشائعات، ولنترك للتحقيقات والجهات المختصة مسؤولية تحديد الوقائع والمسؤوليات.
لقد علمتنا الكرك، بتاريخها وكرامة أهلها، أن الأردن أكبر من المحن، وأن النخوة الأردنية لا تعرف التمييز بين أبناء الوطن حين ينادي الواجب. واليوم، لا تحتاج الكرك إلى كلمات التعاطف وحدها، بل إلى وقفة وطنية صادقة، وإلى أن يشعر كل فرد فيها بأن الدولة والمجتمع يقفان إلى جانبه، وأن أمنه وكرامته ليسا موضع مساومة.
إن أقوى رد على العنف ليس السماح له بتغييرنا، بل التمسك بالعدل، وحماية بعضنا بعضًا، ورفض الكراهية، والتأكيد أن حياة الإنسان وكرامته فوق كل اعتبار.
رحم الله الضحايا، وألهم أسرهم الصبر والقوة، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء.
عاشت الكرك عزيزة آمنة، وعاش الأردن وطنًا واحدًا لجميع أبنائه، وطنًا لا تجعل فيه دور العبادة فواصل بين مواطنيه، ولا تهزمه يد الغدر، ولا تنال من وحدته رصاصة.
الأردن واحد… والوجع واحد… والكرامة واحدة… ولن تكون دماء الأبرياء جسرًا تعبر عليه الفتنة إلى وطننا.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :