المخاطر البيئية .. كيف ستؤثر على قيمة الأراضي والعقارات؟


عمانيات - ثروات عقارية قد تواجه خطر التآكل الصامت، وأسواق سكنية مرشحة لإعادة ترتيب قيمتها وجاذبيتها الاستثمارية مع دخول المخاطر المُناخية والبيئية معالجة لم تحظ حتى الآن بالاهتمام الكافي لدى المتعاملين بالسوق العقارية المحلية.

وهنا تظهر احتمالات ما يُعرف بـالخصم المناخي، الذي قد ينعكس على قيمة الممتلكات نتيجة تعرضها لمخاطر السيول، وارتفاع درجات الحرارة، وندرة المياه، وسط تحذيرات خبراء في الاقتصاد وهندسة العمارة والتقييم العقاري من أن استمرار الاعتماد على الأسعار السابقة، والمؤشرات التقليدية قد يؤخر اكتشاف هذه المخاطر لما بعد وقوع الخسائر الفعلية.
وتتجاوز التداعيات المحتملة حدود الأسعار الى العدالة الاقتصادية والاجتماعية، والاستقرار المالي، إذ قد تتمكن الأسر الأكثر دخلاً من الانتقال الى مناطق أقل تعرضاً للمخاطر، بينما تواجه أسر أخرى احتمال تراجع قيمة ممتلكاتها دون امتلاك خيارات مماثلة.
مبالغة بالقيمة السوقية
وبرأي أستاذ الاقتصاد القياسي المالي في كلية الأعمال في جامعة مؤتة الدكتور حذيفة القرالة، فإن بعض العقارات قد يكون مبالغاً في قيمتها السوقية، ومن الناحية الاقتصادية، نتيجة تجاهل المخاطر البيئية التي قد تتعرض لها مستقبلاً.
واستند على رأيه لـ"الغد" بأن القيمة الحقيقية للعقار لا تتحدد فقط بموقعه ومساحته، والخدمات المتوفرة فيه اليوم، وإنما أيضاً بقدرته على الاحتفاظ بهذه المزايا مستقبلاً.
ولفت الى أن تسعير العقارات في الأردن يعتمد بصورة كبيرة على الموقع، والطلب الحالي والتوقعات العمرانية، بينما لا تحظى المخاطر البيئية طويلة الأجل بالوزن نفسه في قرارات الشراء والاستثمار.
وبحسبه، قد تظهر فجوة بين السعر السوقي الحالي والقيمة الاقتصادية المستقبلية للعقار، فعلى سبيل المثال عقار يقع في منطقة معرضة للسيول، أو تعاني ضغوطاً متزايدة على الموارد المائية قد يباع اليوم بسعر مرتفع، لكن المحافظة على هذه القيمة مستقبلاً ليست مضمونة.
وعرف ذلك الأمر بـالخصم المناخي، أي انخفاض القيمة النسبية للعقار نتيجة ارتفاع المخاطر البيئية المتوقعة، أو التكاليف المرتبطة بها، لكن ذلك لا يعني القول بأن العقارات في الأردن مبالغ في قيمتها بشكل عام دون دراسات تربط الأسعار الفعلية بدرجات التعرض لهذه المخاطر.
وحدد المخاطر البيئية الأكثر قدرة على تغيير خريطة الطلب العقاري في الأردن، مع امكانية أن تفقد مناطق مرتفعة القيمة جاذبيتها الاستثمارية بندرة المياه، وارتفاع درجات الحرارة ومخاطر السيول، والفيضانات المفاجئة.
وأشار الى أن هذه المخاطر لا تؤثر في جميع المناطق بالطريقة نفسها، فارتفاع درجات الحرارة، على سبيل المثال، قد يزيد تكاليف التبريد والطاقة ويؤثر في جاذبية بعض المناطق السكنية، وأما السيول، فقد ترفع تكلفة الصيانة والتأمين، وتزيد مخاطر الاستثمار في العقارات المعرضة لها.
وبالتالي، ووفق القرالة، من الممكن أن تتراجع الجاذبية الاستثمارية لبعض المناطق المرتفعة القيمة حالياً، ليس بالضرورة بسبب تراجع موقعها، أو أهميتها الاقتصادية، وإنما نتيجة ارتفاع تكاليف الاحتفاظ بالعقار واستخدامه.
وأكد على أن العامل الحاسم هنا هو قدرة البنية التحتية على التكيف، فالمنطقة التي تتمتع بشبكات تصريف مياه جيدة، وخدمات مستقرة، ومبانٍ أكثر كفاءة قد تحافظ على جاذبيتها رغم تعرضها لمخاطر مناخية.
ومن الناحية الاقتصادية، فإنه يفترض أن تعكس أسعار الأصول المعلومات المتاحة حول المخاطر المستقبلية، حتى قبل وقوعها، لكن ذلك يعتمد على وعي المستثمرين، وتوفر المعلومات ومدى إدراكهم لحجم هذه المخاطر.
وفي السوق المحلي توقع أن يكون تسعير هذه المخاطر تدريجياً وغير متساوٍ بين المناطق، خاصة في ظل محدودية المعلومات التفصيلية المتاحة للمشترين عن المخاطر المناخية لكل موقع.
وأوضح أن المشتري قد لا يخفض السعر الذي يعرضه إلا بعد تكرار مشكلة معينة، مثل السيول، أو انقطاع الخدمات، أو ارتفاع تكاليف الصيانة، وفي المقابل، قد يبدأ المستثمر الأكثر اطلاعاً بأخذ هذه المخاطر في الحسبان قبل حدوث أي خسائر فعلية.
ولفت الى أن الخصم المناخي لا يُشترط أن يظهر على شكل انخفاض مباشر في السعر، بل أولاً في تراجع الطلب، أو طول الفترة اللازمة لبيع العقار، أو انخفاض معدل ارتفاع سعره مقارنة بمناطق أخرى.
وحول مدى إمكانية أن تتحول ندرة المياه مستقبلاً إلى عامل يحدد قيمة الأراضي، فاعتبر أن هذه المسألة قد تصبح أحد أهم المحددات الاقتصادية للقيمة العقارية في الأردن على المدى الطويل.
وبين أن الأردن يعاني أصلاً من محدودية شديدة في الموارد المائية، اذ تشير الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023 - 2040 إلى أن نصيب الفرد من موارد المياه العذبة المتجددة بلغ نحو 61 م3 سنوياً في عام 2021، وهو مستوى منخفض جداً مقارنة بالمعدلات الدولية.
وأضاف أن التوسع العمراني وحده لا يكفي لضمان استمرار ارتفاع قيمة الأرض، فالمشروع السكني، أو الاستثماري يحتاج إلى خدمات مائية مستقرة ومستدامة حتى يحافظ على جاذبيته الاقتصادية.
وحذر من أنه إذا أصبحت تكلفة توفير المياه مرتفعة، أو زادت صعوبة تأمينها، فإن ذلك قد ينعكس على تكاليف التشغيل والاستثمار، وبالتالي على القيمة التي يكون المستثمر مستعداً لدفعها مقابل الأرض.
لكن فضل الإشارة إلى أن مشاريع البنية التحتية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني للمياه، يمكن أن تخفف من هذه المخاطر، وتدعم استقرار القيمة العقارية في المناطق المستفيدة.
ومع ذلك لم يستبعد أن تؤدي المخاطر المناخية إلى ظهور فجوة جديدة في الثروة العقارية بين الأردنيين، فالعقار يمثل جزءاً أساسياً من ثروة الكثير من الأسر الأردنية، وأي تغير طويل الأجل في قيمته ينعكس بصورة مباشرة عليها وعلى قدرتها على الادخار والاقتراض.
وتوقع أن نشهد مستقبلاً تبايناً في أداء الأسواق العقارية بين مناطق قادرة على مواجهة المخاطر المناخية، وأخرى ترتفع فيها تكاليف التكيف والصيانة، وتتعرض خدماتها لضغوط متزايدة.
والمشكلة، التي يراها تكمن في أن الأسر ذات الدخل المرتفع تكون عادة أكثر قدرة على الانتقال إلى مناطق أفضل، أو الاستثمار في تحسين عقاراتها، بينما قد لا تتوفر هذه الخيارات للأسر محدودة الدخل، وبالتالي، قد تتحول المخاطر المناخية من مجرد مشكلة بيئية إلى عامل يعمق التفاوت في الثروة العقارية بين الأسر.
لكن هذا السيناريو ليس حتمياً؛ كما يؤكد لأن الاستثمار العام في البنية التحتية، وتحسين الخدمات في المناطق الأكثر تعرضاً للمخاطر يمكن أن يحد من هذه الفجوة.
ولم يغفل القرالة إمكانية أن تتجه البنوك وشركات التأمين إلى التمييز بين العقارات بحسب تعرضها للمخاطر المناخية، لأن الاهتمام بهذه القضية أصبح جزءاً من تطور الأطر الرقابية والمالية، بما فيها القطاع المصرفي الأردن.
وأضاف أن البنوك لا تنظر إلى العقار باعتباره أصلاً ثابت القيمة، وإنما باعتباره ضمانة يجب أن تحتفظ بقيمتها، وقدرتها على التسييل طوال فترة القرض، وإذا أظهرت التقييمات أن عقاراً معيناً معرض لمخاطر بيئية مرتفعة، فقد ينعكس ذلك مستقبلاً على نسبة التمويل الممنوحة مقابل قيمته، أو شروط القرض، أو التقييم المعتمد للضمانة العقارية.
انعكاس المخاطر على أسعار العقارات
والأمر نفسه ينطبق على شركات التأمين التي قد تعيد النظر في أقساط التأمين، أو شروط التغطية بحسب مستوى المخاطر، لكن من المهم التمييز بين هذا الاتجاه المتوقع، وبين القول إن البنوك المحلية تطبق حالياً خصومات مناخية محددة على الضمانات العقارية؛ فهذا يحتاج إلى بيانات فعلية من المؤسسات المالية.
ويعتقد أن إدخال هذه المخاطر في قرارات التمويل قد يسرّع انعكاسها على أسعار العقارات، لأن ارتفاع تكلفة التمويل، أو انخفاض قيمته المتاحة يؤثر مباشرة في الطلب الاستثماري.
وهذا الملف سيصبح أساسياً في عمل الجمعية الأردنية للمقدرين العقاريين خلال السنوات القليلة القادمة، وفي رئيسها والخبير في التقييم العقاري هشام الناطور.
وأكد الناطور الحاصل على رخصة التقييم الدولية من المعهد البريطاني لـالغد على أن خرائط المخاطر المناخية يجب أن تصبح مرجعاً رسمياً للمقدّرين، مع عدم قدرة المقدّر في الأردن على إصدار تقييم دون الرجوع لمخطط التنظيم، وتصنيف الأراضي وقوشان الأرض.
وشدد على أن عدم الاستناد لخريطة المخاطر المناخية سيكون إخلالاً مهنياً، في ظل الحديث عن خرائط الفيضانات الوميضية في محافظتي عمان والزرقاء، والإجهاد الحراري، وشح المياه وتأثيره على المشاريع الزراعية والسياحية في الأزرق والبحر الميت، انحسار التربة.
وضرب مثالاً على ذلك في دول مثل بريطانيا وهولندا أصبحت خرائط الفيضانات جزءاً إلزامياً من تقرير التقييم، والأردن ليس بعيداً عن هذا المسار، خاصة مع ما شهده من سيول في منطقتي وسط البلد والبحر الميت.
ولكنه نفى امتلاك قطاع التقييم للأدوات اللازمة لهذه الغاية، إذ إن المعايير الحالية للتقييم العقاري تعتمد على ثلاثة مداخل رئيسية تشمل المقارنة السوقية، والتكلفة، والدخل.
وأوضح أن تلك المدخلات الثلاثة تعتمد على تجارب السوق السابقة، فالمشكلة أن التغير المناخي قد كسر هذه القاعدة، فما حدث في السوق خلال العشر سنوات ماضية لم يعد مؤشراً دقيقاً لما سيحدث في العشر أعوام القادمة.
ومن بين الأمثلة التي أوردها على ذلك وجود فيلا في منطقة منخفضة كان يكثر عليها الطلب قبل خمس سنوات، لكنه وبعد تكرار حوادث تجمع المياه وانقطاع الخدمات في تلك المناطق حالياً قد قلل من جاذبيتها السكنية.
وأشار الى أن أداة المقارنة السوقية التقليدية لا تلتقط هذا الانخفاض إلا بعد أن يقع الضرر، ما يستدعي الحاجة إلى إدخال معامل المخاطر البيئية المستقبلية في معادلة التقييم، وهذا يتطلب تدريباً وتأهيلاً لم يبدأ بعد بشكل مؤسسي.
ولعل أخطر نقطة تطرق اليها الناطور غياب المعلومات، والذي يطلق عليه في التقييم (Asymmetric Information).
وقدم شرحاً على هذه النقطة مفاده أنه عندما لا تكون البيانات البيئية متاحة للجميع، سيظهر نوعان من المتعاملين أحدهما مطور عقاري كبير لديه القدرة على شراء صور أقمار صناعية ودراسات هيدرولوجية، فيعرف أن قطعة الأرض معرضة لخطر السيول بعد خمس سنوات، فيبيعها بسرعة، والثاني مواطن بسيط يشتريها بسعر السوق دون أن يعلم كل ذلك.
وهنا، وفي رؤيته، يتحول التقييم العقاري من أداة لحماية السوق لأخرى لتكريس عدم العدالة، والذي يأتي معه دور المقدّرين في حماية الطرف الأضعف، وهذا لا يتم إلا بمعلومة موحدة ومتاحة.
وألقى مسؤولية توفير البيانات على الحكومة والقطاع العقاري فالدور الحكومي محدد بتوفير البيانات الخام المعتمدة من وزارات البيئة، والمياه والري، الأرصاد الجوية، وأمانة عمان ودائرة الأراضي والمساحة، التي يجب أن تصدر الخارطة الوطنية للمخاطر المناخية العقارية وتحدثها سنوياً، وتكون مرجعاً ملزماً.
وأما دور قطاع التقييم كما لخصه فيكمن بـترجمة هذه البيانات إلى قيمة، باعتبار أنهم ليسوا المنتجين للمعلومة مناخية، وإنما المحللين لأثرها على القيمة، في وقت لا يمكن فيه الطلب من أكثر من 400 مقدّر مرخص أن ينتج كل واحد منهم خارطته الخاصة، تفادياً لخلق فوضى في السوق.
ولم يستبعد أن تعيد التغيرات المناخية رسم خريطة السوق العقاري، فالتقسيمات التقليدية التي نستخدمها غرب عمان / شرق عمان أو عمان / الزرقاء / إربد أصبحت غير كافية، السوق بدأ يفرز نفسه على أسس جديدة.
وحدد هذه الأسس بمناطق مرنة مناخياً، مثل تلك المرتفعة، وذات التصريف الجيد، والمعزولة حرارياً، والقريبة من مصادر مياه بديلة، والتي ستشهد ارتفاعاً في القيمة.
ومن بين الأسس الأخرى التي أشار اليها مناطق هشة مناخياً، وهي تلك المنخفضة، والتي تشهد مجاري سيول، وذات واجهات غربية حارة جداً بدون بنية خضراء، والتي ستشهد ثباتاً أو انخفاضاً على المدى الطويل.
ووضح فكرته بمثال أن الطلب على الشقق ذات الإطلالة الغربية بدون عزل في عمان بدأ يتراجع صيفاً بسبب كلفة التكييف، في حين الطلبات على الأراضي الزراعية التي تعتمد على الأمطار فقط في الشمال بدأ ينخفض لصالح تلك المجهزة بآبار مرخصة، وجميعها حدود جديدة لا تظهر في مخطط التنظيم.
ومن أجل معالجة ذلك الخلل دعا وبشكل عاجل إلى إنشاء المرصد الوطني للقيمة العقارية والمتغيرات البيئية، أو لجنة مشتركة دائمة تضم جمعية المقدّرين العقاريين، ودائرة الأراضي والمساحة، ووزارة البيئة، والجمعية الملكية لحماية الطبيعة، ونقابة المهندسين.
ومهمة تلك المظلة ليس إصدار تقارير بعد وقوع الكارثة، بل إصدار إنذار مبكر للقيمة، اذ دون هذه الآلية سيبقي العمل بمبدأ ردة الفعل، وسيتحمل المواطن والبنوك الخسارة في النهاية.
وأنهى حديثه بالقول إن القضية لم تعد شأناً بيئياً فحسب وإنما مسألة استقرار مالي، حيث إن 70 % من محافظ البنوك الأردنية مضمونة بعقارات، فإذا انخفضت قيمة هذه الضمانات بسبب عامل مناخي لم يؤخذ بالحسبان، فالمشكلة ستنتقل من سوق العقار إلى القطاع المصرفي.
مراجعة الخرائط التنظيمية
وقد أظهرت دراسة تاريخية حديثة حول التحولات العمرانية والهيدرولوجية في وسط عمّان أن مخاطر الفيضانات لا يمكن فهمها بمعزل عن التطور التاريخي للمدينة، وتغير أنماط استخدام الأراضي، والتدخلات التي طرأت على مجاري المياه الطبيعية، وعلى رأسها سيل عمّان، وفق الأستاذ المساعد في هندسة العمارة في كلية العمارة والتصميم في جامعة البترا الدكتورة سلام مرعي.
وفي دراستها تلك أكدت على أن تحويل المجرى المائي الطبيعي إلى ممر للبنية التحتية وطريق حضري، لم يُلغِ بالضرورة الوظيفة الهيدرولوجية للموقع، بل غيّر الطريقة التي تتفاعل بها المدينة مع المياه.
ودعت إلى مراجعة الخرائط التنظيمية وألا تقتصر على المتغيرات السكانية والعمرانية، بل تحديثاً للبيانات المناخية والهيدرولوجية، وخرائط مخاطر السيول والفيضانات، والسيناريوهات المناخية المستقبلية.
وحثت على تطوير النظرة التقليدية للتخطيط وإدارة المخاطر البيئية، بحيث لا تكون الاستجابة الهندسية هي الخيار الأول، أو الوحيد في جميع الحالات.
والتدخلات الهندسية، بحد قولها، مثل إنشاء قنوات تصريف مياه الأمطار، وتوسعة العبارات الصندوقية، وغيرها، قد تكون ضرورية في مواقع معينة، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب الأساسية لتراكم المخاطر، خصوصاً عندما تكون هذه الأسباب مرتبطة بأنماط التوسع العمراني، وتغيير التضاريس الطبيعية، وزيادة الأسطح غير المنفذة للمياه، وأمور أخرى.
ومن منظور التخطيط المستدام، الذي تدعو له، ينبغي أن ننتقل من مفهوم السيطرة على المياه إلى مفهوم التخطيط بما يتوافق مع الأنظمة الطبيعية للمياه، وهذا يتطلب إعادة النظر في استخدامات الأراضي، والحفاظ على مجاري الأودية ومناطق تصريف المياه، وتخصيص مساحات مفتوحة قادرة على استيعاب مياه الأمطار، وعدم التعامل مع جميع الأراضي باعتبارها قابلة للتطوير العمراني بالدرجة نفسها.
وتدعم نتائج بحثها حول التكيف المجتمعي في مدينة عمان هذا التوجه؛ إذ أظهرت الدراسة أن سكان بعض المناطق، في ظل محدودية التدخلات الرسمية، طوروا حلولاً محلية للتعامل مع مياه السيول، شملت إنشاء مسارات لتصريف المياه وتعديل بعض أجزاء النسيج العمراني، إلا أن هذه التدخلات لم تُنهِ المشكلة، بل ساهمت في إعادة توجيه المياه نحو أجزاء أخرى من المنطقة.
وبشأن المسؤولية عن انتقال مخاطر السيول إلى الأحياء المجاورة، أكدت مرعي على أن هذه مسألة تتعلق بالمسؤولية التخطيطية والمؤسسية، وليس فقط بتلك الهندسية أو التنفيذية.
وهنا تؤكد على مبدأ أساسي في التخطيط العمراني المستدام، وهو أن أي مشروع يجب ألا يؤدي إلى نقل المخاطر البيئية من موقع إلى آخر، أو من فئة اجتماعية إلى أخرى.
واستشهدت بالممارسات التكيفية للسكان في دراستها، قائلة: النتائج بينت أن التدخلات المحلية، رغم أهميتها في حماية المنازل والممتلكات، قد تؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة توزيع مسارات المياه، مما يزيد من تعرض المناطق الواقعة في مستويات طبوغرافية أدنى للمخاطر.
وترى أن المسؤولية يجب أن تكون مشتركة ولكن محددة بوضوح، بحيث تشمل الجهات التي تصدر الموافقات التنظيمية، والجهات المعنية بتقييم الأثر البيئي والهيدرولوجي، والمطورين والمكاتب الاستشارية والجهات المنفذة، كل بحسب دوره ومسؤوليته.
ولفتت الى أن الإشكاليات الأساسية في إدارة مخاطر الفيضانات، ويُعرف في الأدبيات العلمية بمفهوم نقل المخاطر، فقد يؤدي إنشاء قناة لتصريف مياه الأمطار، أو جدار حماية، أو عبارة إلى تقليل احتمالية تجمع المياه في منطقة معينة، لكنه سيزيد من سرعة الجريان، أو تركيزه في مناطق أخرى، وبالتالي نقل المشكلة مكانياً بدلاً من معالجتها بصورة شاملة.
وشددت على أن التحدي لا يكمن فقط في توفير الحماية، وإنما في تحديد من المستفيد منها، ومن يتحمل تكلفتها، أو آثارها الجانبية.
ودعت الى أن تستند مشاريع الحماية من الفيضانات إلى تقييم هيدرولوجي متكامل على مستوى الحوض المائي، وليس على مستوى المشروع فقط، مع دراسة تأثيرات التدخلات على سرعة الجريان وكمياته ومساراته، وتقييم آثارها التراكمية والمستقبلية.
وعن حق السكان في الاعتراض على القرارات التنظيمية استناداً إلى مخاطر بيئية مستقبلية، فإنها تعتقد أن ذلك ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من تطوير منظومة التخطيط العمراني والحوكمة البيئية في الأردن.
وتابعت قائلة: إذ لم يكن سكان بعض المناطق مجرد متضررين ينتظرون تدخل الجهات الرسمية، بل طوروا ممارسات جماعية للتكيف مع السيول، من خلال تعديل البيئة المبنية، وإنشاء مسارات لتصريف المياه، والتفاوض فيما بينهم حول الحلول الممكنة.
وفي رأيها فإن الانتقال من مجرد إشراك السكان في تنفيذ الحلول إلى شركاء في صناعة القرار التخطيطي نفسه، ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تتاح للسكان إمكانية الاعتراض على المشاريع والقرارات التنظيمية عندما تكون لديهم أدلة، أو خبرات محلية موثقة تشير إلى احتمالية زيادة تعرضهم للمخاطر البيئية، حتى لو كانت المشاريع مستوفية للاشتراطات القانونية الحالية.
وفسرت حديثها بأن حق الاعتراض لا يعني بالضرورة امتلاك السكان حق تعطيل أي مشروع، وإنما يعني ضمان وجود آليات مؤسسية شفافة تتيح لهم تقديم الملاحظات والأدلة، و تُلزم الجهات المختصة بدراستها والرد عليها بصورة علمية ومنطقية، قبل اتخاذ القرارات النهائية.
وفي بعض المواقع، قد تصل تكلفة حماية المباني والبنية التحتية من مخاطر السيول والفيضانات إلى مستويات مرتفعة جداً، دون أن توفر ضماناً حقيقياً للسلامة على المدى الطويل، وفي هذه الحالات، قد يكون من الأجدى التفكير في بدائل تخطيطية مختلفة، من بينها تقييد التطوير العمراني، أو تغيير استخدامات الأراضي، أو اعتماد التراجع المنظم عن البناء، تبعا لها.
وشرحت متطلبات هذا الخيار بأن التراجع المنظم لا يعني الإخلاء القسري، أو التعامل مع السكان باعتبارهم جزءاً من المشكلة، بل هو عملية تخطيطية واجتماعية واقتصادية طويلة الأمد، تتطلب تقييماً علمياً للمخاطر، ومشاركة السكان، وتوفير بدائل سكنية عادلة، وآليات تعويض مناسبة، وحماية الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المتأثرة.
وهذا يعني أن التعامل مع المخاطر المستقبلية لا ينبغي أن يقوم على افتراض أن الحل الهندسي قادر دائماً على حماية كل موقع، مهما كانت خصائصه الطبيعية أو درجة تعرضه للخطر.

الغد




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :