الصحة النفسية للطلبة .. كيف تعزز المدارس دورها بتقديم الدعم النفسي؟


عمانيات - ترتبط الصحة النفسية للطلبة بقدرتهم على التفاعل داخل البيئة المدرسية، والمشاركة في الأنشطة التعليمية، والتعامل مع الضغوط والمواقف المختلفة، ما يجعل الاهتمام بهذا الجانب جزءاً من المسؤولية التربوية للمدرسة، ودورها في التعليم ونقل المعرفة.

ومع تنامي الاهتمام بالصحة والدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والمراهقين، تبرز تساؤلات حول كيفية تعزيز دور المدارس في هذا المجال، وما يمكن أن يعتمده المعلمون والمرشدون التربويون من ممارسات لمساندة الطلبة، والمتطلبات التي تسهم في توفير بيئة مدرسية داعمة لنموهم النفسي والاجتماعي.
ويرى خبراء في التربية أن الصحة النفسية للطلبة من القضايا الأساسية في العملية التعليمية، في ظل التغيرات المرتبطة بالنمو النفسي والاجتماعي، وتزايد الضغوط التي يتعرض لها الطلبة، سواء المرتبطة بالتحصيل الدراسي والامتحانات والمعدلات المطلوبة، أو بالمتغيرات الرقمية وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي في علاقاتهم ومحيطهم الاجتماعي.
وبينوا في أحاديث منفصلة لـ"الغد"، أنها مسؤولية تربوية مشتركة تتطلب معلماً مؤهلاً، ومرشداً ممكّناً، وإدارة مدرسية واعية، وأسرة متعاونة، وشراكة فاعلة مع القطاع الصحي، ويحقق ترسيخ هذه العناصر ضمن ثقافة المدرسة ونظام عملها، توفير بيئة تعليمية تحمي الطالب وتسانده، وتدعم نموه النفسي والاجتماعي والمعرفي والأكاديمي.
وكان الأمين العام لوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لشؤون المدارس، د. نواف العجارمة، أكد في افتتاح فعاليات الحوار الإقليمي حول "الارتقاء بالصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والمراهقين عبر الرعاية الصحية الأولية والتعليم" الذي عقد مؤخرا، أن الاستثمار في الصحة النفسية للأطفال واليافعين، استثمار في الإنسان وجودة التعليم ومستقبل الأردن.
وأشار العجارمة لمبادئ وإستراتيجيات تربوية محورية، أبرزها أن الاستقرار النفسي أساس الإبداع، فالطالب الذي يحظى بالأمان والاستقرار النفسي والانتماء يكون أكثر قدرة على التعلم والمشاركة والابتكار. وفي إطار النهج الاستباقي الوقائي، فيتبلور بالانتقال من منهجية "الاستجابة للأزمات بعد وقوعها" إلى نهج وقائي يركز على تنمية المهارات الاجتماعية والانفعالية، وإدارة الضغوط، وتعزيز ثقافة الحوار للحد من ظواهر العنف والتنمر.
وشدد على أهمية الاستثمار المباشر في المرشدين التربويين والمعلمين لتمكينهم من رصد مؤشرات الضيق النفسي وتقديم الدعم الأولي، مؤكداً أن مساندة السلامة النفسية والمهنية للكوادر التدريسية ذاتها تُعد ضرورة ملحة. إلى جانب مأسسة العمل النفسي والتربوي لتحويل كل مدرسة إلى بيئة دامجة تضمن المصلحة الفضلى للطالب.
الاحترام بين المدرسة والطالب
الخبير فيصل تايه، أكد أن تعزيز دور المدرسة في الصحة النفسية للطلبة، يتطلب تغيير النظرة لهذه القضية، باعتبارها جزءاً أساسياً من جودة العملية التعليمية، وليست ملفاً منفصلاً عنها، أو مسؤولية تقع على عاتق المرشد التربوي وحده.
وقال تايه إن شعور الطالب بالأمان والتقدير والانتماء يعزز استعداده للتعلم والمشاركة والتفاعل. كما قد تنعكس الضغوط النفسية ومشاعر الخوف أو التعرض للتنمر أو الإقصاء على تحصيله الدراسي وسلوكه وعلاقاته، لا سيما في الحالات التي يجد فيها صعوبة في التعبير عما يواجهه.
وأضاف أن بناء علاقة تربوية قائمة على الاحترام والثقة بين المدرسة والطالب، أساس لدعم صحته النفسية، بما يعزز شعوره بأن آراءه ومشاعره محل اهتمام، وأن الخطأ أو التعثر الدراسي جزء من التعلم، ولا ينتقص من قيمته، لافتا لأهمية دور المعلم عبر المتابعة المستمرة للطلبة وملاحظة أي تغيرات قد تطرأ على سلوكهم.
وأوضح أن من أبرز هذه المؤشرات: الانعزال، والتراجع المفاجئ في التحصيل، وتكرار الغياب، والانفعال الزائد، وفقدان الاهتمام والمشاركة، مشدداً على أن هذه المؤشرات لا تعني وجود حالة نفسية، وإنما تستدعي الاقتراب من الطالب وفهم ظروفه، والتواصل مع المرشد التربوي، وفق إجراءات مهنية تحافظ على خصوصيته وكرامته.
وبين تايه أن الممارسات الصفية الداعمة للصحة النفسية، تبدأ بالإنصات للطلبة دون إصدار أحكام أو توبيخ، وإتاحة مساحة آمنة للحوار، وتجنب السخرية والمقارنة بينهم، والابتعاد عن العقاب المهين، واستخدام الخوف وسيلة للضبط. وتوظيف أنشطة وعمل جماعي، وتنمي مهارات التعبير عن المشاعر وإدارة الانفعالات وحل الخلافات والتواصل والتعاطف وتقبل الاختلاف.
وأشار لأهمية إدراك المعلم أن الطالب الذي يواجه صعوبة نفسية، قد يحتاج للتفهم والمساندة والتدرج في التعامل معه، أكثر من حاجته لمزيد من الضغط المرتبط بالتحصيل الدراسي.
وبشأن دور المرشد التربوي، قال إن هذا الدور ينبغي ألا يقتصر على التدخل بعد وقوع المشكلة، بل يتطلب المشاركة في بناء برامج وقائية مستمرة في المدرسة، تشمل اللقاءات التوعوية وجلسات الإرشاد الفردية والجماعية، ومتابعة الحالات التي تحتاج لمساندة، والتنسيق مع الأسرة والجهات الصحية المختصة عند الضرورة.
وأكد ضرورة وجود مسارات واضحة للإحالة والمتابعة، بما يضمن عدم تحميل المعلم أو المرشد مسؤوليات تتجاوز اختصاصهما، أو مطالبتهما بأداء دور الطبيب أو الاختصاصي النفسي السريري، مبيناً أن الدعم المدرسي مهم، لكنه لا يغني عن التدخل المتخصص عندما تستدعي الحالة ذلك.
ولفت تايه إلى أن تمكين المعلمين والمرشدين من أداء هذه الأدوار بكفاءة، يتطلب الاستثمار في تدريبهم على مبادئ الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، ومهارات التواصل والإصغاء، والتعرف إلى مؤشرات الخطر، والتعامل مع التنمر والعنف والأزمات، وتوضيح حدود مسؤولياتهم المهنية.
وأضاف أن ذلك يستدعي إعداد المرشدين التربويين بما يتناسب مع إعداد الطلبة واحتياجات المدارس، وتوفير الوقت والمساحة المناسبين للعمل الإرشادي، وتخفيف الأعباء الإدارية التي تحد من قدرتهم على متابعة الطلبة بفاعلية.
وشدد على أهمية بناء شراكة بين المدرسة والأسرة ووزارة الصحة والجهات المجتمعية ذات العلاقة، نظراً إلى أن كثيراً من ما يواجهه الطلبة من صعوبات، يرتبط بظروف أسرية واجتماعية وصحية، ولا يمكن التعامل معها بمعزل عن هذه العوامل، على أن تقوم هذه الشراكة على الثقة والسرية واحترام خصوصية الطالب، بعيداً عن الوصم أو تداول المعلومات الشخصية، مع اعتماد إجراءات واضحة للحالات التي تتطلب تدخلاً عاجلاً.
وأوضح تايه أن توفير بيئة مدرسية داعمة للصحة النفسية، لا يتحقق بمجرد تنظيم محاضرات توعوية أو أنشطة موسمية، بل يتطلب ترسيخ ثقافة مؤسسية، تنعكس في أسلوب الإدارة المدرسية، والعلاقة بين المعلم والطالب، وآليات التعامل مع السلوك، وعدالة توزيع الاهتمام والفرص، ومكافحة التنمر والإقصاء.
وخلص إلى أن الصحة النفسية للطلبة، مسؤولية تربوية مشتركة تتطلب معلماً مؤهلاً، ومرشداً ممكّناً، وإدارة مدرسية واعية، وأسرة متعاونة، وشراكة فاعلة مع القطاع الصحي، مؤكداً أن ترسيخ هذه العناصر ضمن ثقافة المدرسة ونظام عملها، يوفر بيئة تعليمية تحمي الطالب وتسانده، وتدعم نموه النفسي والاجتماعي والمعرفي والأكاديمي.
تسليط الضوء على الصحة النفسية
ورأى الخبير محمد أبو عمارة أن الصحة النفسية تشكل جزءاً أساسياً من تعزيز دافعية الطلبة للتعلم، وإعداد شخصية متوازنة قادرة على مواجهة المشكلات والتعامل معها، والاهتمام بهذا الجانب في المؤسسات التعليمية خطوة إيجابية، مؤكدا أهمية تسليط الضوء على الصحة النفسية، لافتاً إلى أن الطالب السليم نفسياً يكون أكثر قدرة على مواجهة المشكلات والدفاع عن نفسه، وبناء شخصية مستقلة وواعية.
وأشار أبو عمارة إلى أن السنوات الأخيرة شهدت بروز مشكلات نفسية وسلوكية بين الطلبة، منها: التنمر، والاستغلال عبر شبكات التواصل الإلكتروني، والانطواء، والإدمان على الإنترنت، وضعف تقدير الذات والانسحاب الاجتماعي، وغيرها مما ترصده الإدارات المدرسية، ما يستدعي تفعيل دور المدارس والمعلمين والمرشدين التربويين في التوعية والتدخل المبكر.
وأوضح أن الوقاية ينبغي أن تكون نقطة البداية في التعامل مع هذه المشكلات، بتوعية الطلبة وتدريبهم على التعامل معها، وتوفير المساعدة والعلاج للحالات التي تحتاج لتدخل متخصص، عبر أقسام الإرشاد التربوي والجهات المختصة في الوزارة. مقترحا إدماج الصحة النفسية في المناهج الدراسية والحصص الصفية، وعدم حصرها في حصة الإرشاد، بحيث تصبح جزءاً من النقاش والتفاعل في المواد الدراسية.
ويضرب مثالاً على ذلك بالتنمر، مبيناً أن التعامل معه يتطلب توضيح أدوار الأطراف الثلاثة المرتبطة به، وهي الطالب المتنمر، والطالب الذي يتعرض للتنمر، والبيئة المحيطة المتمثلة بالزملاء؛ إذ ينبغي مساعدة الطالب المتعرض للتنمر بالدفاع عن حقه ورفض الإساءة، والبحث في أسباب سلوك المتنمر ومعالجتها، وتشجيع الزملاء على رفض التنمر وعدم الاكتفاء بمشاهدته دون تدخل.
وأضاف أبو عمارة أن توزيع الأدوار وتعزيز مسؤولية كل طرف يسهمان بالحد من هذه الظاهرة، مؤكداً أهمية أن تتناول البرامج التوعوية المدرسية قضايا كالانطواء والإدمان الإلكتروني وضعف المشاركة والانسحاب الاجتماعي، بما يتيح رصدها والتعامل معها مبكرا.
وشدد على أهمية فتح قنوات حوار بين الطلبة والمدرسة، وتدريبهم على التعبير عن آرائهم ومشكلاتهم، موضحاً أن الحوار يساعد على اكتشاف المفاهيم الخاطئة التي قد تتشكل لدى بعض الطلبة نتيجة تجاربهم الشخصية، أو ما يتعرضون له عبر وسائل التواصل، ومن ثم تصحيحها قبل أن تنعكس سلباً على سلوكهم وتصرفاتهم.
كما أكد ضرورة التوسع في الأنشطة اللامنهجية والتفاعلية التي ترتقي بعلاقاتهم الاجتماعية، وتبني الصداقات والشعور بالانتماء للمدرسة، لافتاً إلى أن تعزيز الانتماء عبر العمل الجماعي والمشاركة، ينعكس على علاقة عالم الطالب، مؤكدا أن التركيز على الاختبارات وقياس الجوانب المعرفية وحدها، لا يعكس قدرات الطلبة، لا سيما أن بعضهم قد يعاني من رهبة الامتحان أو الخوف منه، ما يؤثر على أدائه داخل الاختبارات.
ولفت أبو عمارة لأهمية مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة، واستخدام أساليب تدريس وتقويم متنوعة تتناسب مع قدراتهم، بما يضمن مشاركة الجميع وعدم اقتصار الاهتمام على الطلبة المتفوقين أكاديمياً، وإعطاء الطلبة الأقل اجتهاداً، فرصاً وأدواراً فاعلة داخل الحصة الصفية، عبر تفريد التعليم وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية.
ولفت إلى أن الاهتمام بالطلبة ينبغي ألا يقتصر على المعدلات والعلامات والتحصيل المعرفي، بل يجب أن يمتد إلى مؤشرات أخرى تتصل بصحتهم النفسية، مثل شعورهم بالسعادة داخل المدرسة، وثقتهم بأنفسهم، وقدرتهم على الحوار والمبادرة وتكوين العلاقات الاجتماعية، ومدى إقبالهم على المدرسة وشعورهم بالانتماء إليها.
وحذر من أن إهمال مشكلات الطلبة النفسية، وما قد يصاحبها من انطواء وضعف بتقدير الذات والشعور بالكبت، قد يجعلهم أكثر عرضة للتنمر والاستغلال والاضطهاد، وقد يدفع بعضهم للتأثر بمحتوى أو جهات خارجية، تستغل ظروفهم فتوجههم نحو سلوكيات سلبية.
تغيرات نفسية واجتماعية
من جانبه، أوضح الخبير عايش النوايسة، أن الصحة النفسية للطلبة من القضايا الأساسية في التعليم، في ظل التغيرات المرتبطة بالنمو النفسي والاجتماعي، وتزايد الضغوط التي يتعرض لها الطلبة، المرتبطة بالتحصيل الدراسي والامتحانات والمعدلات المطلوبة، أو بالمتغيرات الرقمية وتأثير مواقع التواصل على علاقاتهم ومحيطهم، مشيرا إلى أن الطلبة، بخاصة في المرحلة الأساسية ومن في الـ14 عاماً فما فوق، يمرون بتغيرات نفسية واجتماعية تتطلب الاهتمام والمتابعة، بالتوازي مع التركيز على تحصيلهم الدراسي، بما يضمن مراعاة جوانب نموهم، بما فيها الصحة النفسية والاجتماعية.
ولفت النوايسة إلى أن دور المدرسة معني بتعزيز النمو الشامل للطلبة، مؤكداً أن سلامة الجانب النفسي للطالب ووجود بيئة داعمة له، يرتبطان بقدرته على التعلم والتفاعل والمشاركة في العملية التعليمية.
ولفت إلى أن تعزيز الصحة النفسية في المدارس، يتطلب توفير بيئة مدرسية آمنة، والارتقاء بالمهارات الحياتية للطالب، والاهتمام برصد المؤشرات السلوكية والنفسية التي قد تستدعي المتابعة لديه، كالانسحاب الاجتماعي أو الانطواء أو تغير مستوى تحصيله الدراسي.
وأكد أن تعزيز الصحة النفسية مسؤولية مشتركة داخل المدرسة، تشمل المعلم والمرشد التربوي، لافتاً إلى أن المعلم يؤدي دوراً مهماً بحكم قربه اليومي من الطلبة وقدرته على فهم احتياجاتهم النمائية والنفسية، ورصد المؤشرات المبكرة التي قد تظهر في سلوكهم، مثل الغياب، والانسحاب، والانطواء، أو التراجع الدراسي.
ولفت إلى أهمية أن يتعامل المعلم مع هذه المؤشرات من خلال بناء جسور الثقة مع الطلبة، والعدالة في التعامل معهم، ومراعاة ظروفهم النفسية والاجتماعية، واعتماد أساليب تربوية تراعي التغيرات السلوكية وتتعامل معها بصورة مناسبة، باعتباره قدوة قادرة على الإسهام في تخفيف الضغوط وتهدئة الطلبة.
وأشار إلى ضرورة وجود بروتوكولات وإجراءات واضحة للتعامل مع الحالات التي تستدعي تدخلاً خاصاً أو عاجلاً، ولا سيما عند ظهور تراجع ملحوظ في التحصيل الدراسي أو مؤشرات الحزن والانطواء وغيرها، مؤكدا أهمية بناء شراكة حقيقية مع الأسرة، وتبادل المعلومات المتعلقة بسلوك الطالب وظروفه، بما يساعد على فهم احتياجات الطالب وتقديم الدعم الملائم له.

الغد




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :