من الردع إلى التحصين .. الأردن يعيد صياغة معادلة المواجهة مع الإرهاب


عمانيات - تدرك الدولة الأردنية طبيعة التهديدات الإرهابية وأدواتها التي تتعرض لها المملكة، وهو أمر في غاية الخطورة، ما يستوجب حزمة التعديلات التشريعية على قانون مكافحة الإرهاب ودفعها إلى البرلمان لإقرارها بشكل مستعجل، تبدأ بمراجعة القوانين المرتبطة بمكافحة الإرهاب، والتوجه نحو تشديد العقوبات.


عموما، لم تكن هذه التعديلات استجابة لتطورات أمنية شهدتها المملكة أخيرا، بقدر ما تعكس تحولا في إدراك الدولة لطبيعة التهديدات الإرهابية الخطرة وأدوات مواجهتها، وتكشف عن إرادة رسمية لإعادة بناء منظومة أكثر شمولا، لا تقتصر على معاقبة مرتكبي الجرائم، وإنما تمتد إلى تفكيك البيئات والشبكات التي تتيح نشوء التطرف واستمراره وإعادة إنتاجه.
فما تحمله هذه التعديلات يتجاوز زيادة مدد الأحكام وتشديد العقوبات، إلى إعادة صياغة فلسفة التعامل مع الإرهاب، انطلاقا من أن خطورته لا تكمن في الفعل الإجرامي ذاته فحسب، وإنما في امتداداته التنظيمية والفكرية والتمويلية، وفي قدرته على استثمار التحولات الإقليمية والاضطرابات المحيطة لتوسيع دائرة تأثيره وتهديد استقرار الدول والمجتمعات.
وتكتسب هذه المراجعة التشريعية التي تتخذها الدولة، بدءا من قرارات مجلس الوزراء واستمرارا في التعديلات المزمع إجراؤها على قوانين مكافحة الإرهاب، أهمية مضاعفة بالنسبة للأردن، الذي يواجه تحديات أمنية تفرضها جغرافية إقليمية شديدة الاضطراب، تتشابك فيها الصراعات المسلحة مع نشاط الجماعات المتطرفة، وتتسع فيها مساحات التجنيد والتحريض عبر المنصات الرقمية، بما يجعل التهديد الإرهابي أكثر تعقيدا من أن يُواجَه بالأدوات التقليدية وحدها.
من معاقبة الجريمة إلى تفكيك منظومتها
في المحصلة، يشكل رفع الحدود الدنيا للعقوبات في جرائم الإرهاب، ومضاعفتها في بعض الحالات، وصولا إلى الإعدام، أحد أبرز ملامح التوجه التشريعي الجديد، غير أن الأهمية الكبيرة والعميقة لهذا القرار تكمن في الرسالة التي يحملها بشأن طبيعة المسؤولية الجنائية عن هذه الجرائم، وضرورة أن تتناسب العقوبة مع خطورتها وآثارها على الأمن الوطني والسلم المجتمعي.
فالإرهاب ليس جريمة عادية تقتصر نتائجها على ضحايا مباشرين أو أضرار مادية محددة، بل هو اعتداء على منظومة الأمن والاستقرار، ومحاولة لزعزعة الثقة بالدولة ومؤسساتها، وبث الخوف والانقسام داخل المجتمع، ولذلك، فإن التعامل معه يتطلب عقابا بحجم الضرر الذي يمكن أن تخلفه هذه الأفعال، ويحد من فرص تكرارها.
ولعل قرار جمع مدد العقوبات عن الجرائم الإرهابية المتعددة دلالة تشريعية مهمة، بحيث ينقل التعامل مع تعدد الأفعال الإجرامية من الاكتفاء بالعقوبة الأشد إلى الاعتداد بكل جريمة على حدة، بما يمنع اختزال سلسلة من الجرائم والأنشطة الإرهابية في حكم واحد، ويعزّز مبدأ التناسب بين تعدد الأفعال وحجم المسؤولية المترتبة عليها.
ورسالة الدولة هنا بعد حادثتي كنيسة حمود، واستشهاد العريف جواد السلايطة، والاعتداء على رجل أمن أمام السفارة السريلانكية، تشير إلى أنه لا استهانة بهذه الحالات، وأن الأحكام التشريعية بحاجة إلى مزيد من المراجعة.
فالرسالة هنا تتجاوز الردع الفردي إلى توجيه إنذار واضح لكل من يفكر في الانخراط في أنشطة إرهابية أو المشاركة في التخطيط لها، بأن تعدد الأدوار والجرائم لن يكون وسيلة لتخفيف المسؤولية، وأن الدولة تتجه إلى تضييق المساحة القانونية التي يمكن أن يستفيد منها مرتكبو هذه الأفعال.
العقوبة لا تنتهي بانتهاء المحكومية
ومن أكثر جوانب التعديلات أهمية ودلالة، إعادة النظر في احتساب مدد الحبس للمحكومين في قضايا الإرهاب، بحيث تصبح السنة اثني عشر شهرا بدلا من تسعة، مع حرمانهم من الاستفادة من التخفيض المرتبط بحسن السلوك وفق الآلية التي أعلنتها الحكومة.
ويعكس هذا التوجه قناعة بأن الطبيعة الاستثنائية لجرائم الإرهاب وخطورتها تفرضان التعامل معها بمعايير تختلف عن تلك المطبقة على الجرائم الأخرى، خصوصا أن آثارها قد تتجاوز مدة تنفيذ الحكم، وأن الإفراج عن المحكوم لا يعني بالضرورة زوال المخاطر المرتبطة به.
وتتضاعف أهمية هذا الإجراء مع إعلان الحكومة شموله المحكومين الحاليين، وهي خطوة مهمة تتعدى مراعاة المبادئ الدستورية والقانونية المتعلقة بتنفيذ الأحكام وعدم رجعية القواعد الجزائية الأشد.
لكن التحول الأكثر أهمية يتمثل في التوجه لفرض تدابير احترازية على المحكومين بعد انتهاء فترات أحكامهم، تشمل الرقابة الإلكترونية والتتبع وفرض الإقامة الجبرية، وفق ما تقرره المحكمة.
فهذا الإجراء يؤسس لمرحلة جديدة في إدارة المخاطر الأمنية، تنتقل فيها الدولة من مفهوم العقوبة المرتبطة بمدة زمنية محددة إلى مفهوم الوقاية المستمرة من المخاطر التي قد تظل قائمة بعد الإفراج عن المحكومين.
وتنبع أهمية هذه الخطوة من أن بعض الأفراد قد يغادرون المؤسسات الإصلاحية من دون أن يكونوا قد تخلوا بالضرورة عن قناعاتهم المتطرفة أو صلاتهم التنظيمية، ما يجعل الرقابة القضائية والأمنية اللاحقة أداة مهمة للحد من احتمالات العودة إلى النشاط الإرهابي.
ملاحقة المحرضين والمتعاونين
ومن الجوانب ذات الأهمية في الحزمة التشريعية الجديدة لمجلس الوزراء، مضاعفة العقوبات على المتعاونين والمحرضين والمتدخلين في الجرائم الإرهابية، وهو توجه يعكس إدراكا لطبيعة البنية التي تستند إليها الجماعات المتطرفة، والتي لا تقوم على المنفذين وحدهم، وإنما على شبكة من الأدوار المساندة التي توفر التمويل والتسهيلات والتجنيد والدعم اللوجستي والفكري.
فالتنظيمات الإرهابية لا تستطيع الاستمرار أو تنفيذ مخططاتها اعتمادا على العناصر التي تحمل السلاح فقط، بل تحتاج إلى بيئة توفر لها الموارد والغطاء والقدرة على الحركة والتواصل والاستقطاب.
من هنا، فإن تجفيف مصادر الدعم وملاحقة المتورطين في تهيئة الظروف لارتكاب الجرائم يمثلان جزءا أساسيا من إستراتيجية المواجهة، لا يقل أهمية عن ملاحقة المنفذين.
عموما، يكتسب تشديد العقوبات على خطاب الكراهية والسلوكيات المرتبطة بالإرهاب أهمية خاصة، في ظل التحولات التي فرضها الفضاء الرقمي، حيث لم تعد عمليات التحريض والتعبئة والتجنيد بحاجة إلى وجود مادي أو تنظيم ظاهر، بل باتت قادرة على الوصول إلى الأفراد والتأثير فيهم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
التشريع وحده لا يهزم التطرف
وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة لهذه التعديلات، فإن الرهان على نجاحها لا يمكن أن ينحصر في تشديد العقوبات أو توسيع نطاق الرقابة الأمنية، فالإرهاب ظاهرة مركبة، تتداخل في نشأتها واستمرارها عوامل فكرية واجتماعية واقتصادية ونفسية، ما يجعل مواجهتها بحاجة إلى منظومة متكاملة تتجاوز حدود التشريع والعقوبة.
وبالتالي لا بد أن تترافق التعديلات مع برامج متخصصة لإعادة التأهيل الفكري والنفسي للمحكومين، وتعزيز قدرتهم على الاندماج في المجتمع بعد انتهاء العقوبة، إلى جانب تطوير أدوات الرصد المبكر لمؤشرات التطرف والتجنيد، وتوسيع دور المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية في ترسيخ ثقافة الاعتدال والانتماء الوطني.
كما تفرض طبيعة التهديدات الجديدة تطوير القدرات الاستخبارية والفنية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والقضائية، وتكثيف الجهود لمتابعة النشاطات المتطرفة في الفضاء الإلكتروني، بما يتيح اكتشاف المخططات قبل انتقالها من مرحلة التحريض والتخطيط إلى التنفيذ.
فالأمن المستدام لا يتحقق فقط بالقدرة على التعامل مع الجريمة بعد وقوعها، وإنما بامتلاك منظومة قادرة على استشعار التهديدات مبكرا، وتفكيك مقدماتها، وإغلاق المنافذ التي يمكن أن تتسلل منها التنظيمات المتطرفة إلى المجتمع.
رسالة دولة في مواجهة إقليم مضطرب
في المحصلة، لا يمكن فصل هذه التعديلات عن السياق الإقليمي الذي يتحرك فيه الأردن، في ظل استمرار الاضطرابات والصراعات في محيطه، وما تفرزه من مخاطر أمنية تتصل بانتشار الجماعات المسلحة، وتداخل شبكات التهريب والتطرف، واحتمالات انتقال التهديدات عبر الحدود.
وفي مواجهة هذا الواقع، تبدو مراجعة التشريعات جزءا من إعادة تموضع مؤسسي وقانوني يهدف إلى تعزيز قدرة الدولة على حماية أمنها الوطني، وتوسيع أدواتها في ملاحقة التهديدات بمختلف أشكالها، وعدم ترك ثغرات يمكن أن تستغلها الجماعات الإرهابية أو المتعاونون معها.
كما تحمل القرارات الحكومية رسالة داخلية واضحة بأن أمن المواطنين واستقرارهم يمثلان أولوية وطنية لا تقبل المساومة، وأن الدولة ماضية في تطوير أدواتها التشريعية والأمنية بما يتناسب مع طبيعة التحديات المستجدة.
أما إحالة التعديلات إلى مجلس النواب بصفة الاستعجال، فتهدف الحكومة منها إلى وضع السلطة التشريعية أمام مسؤولية وطنية وقانونية مهمة، تتمثل في إخضاع هذه التوجهات لنقاش معمق يوازن بين مقتضيات الأمن الوطني والضمانات الدستورية، ويضمن صياغة تشريعات واضحة وقابلة للتطبيق، تحقق الردع من دون المساس بأسس العدالة وسيادة القانون.
وعلى وجه العموم، لا تكمن الأهمية الكبيرة لهذه الحزمة في عدد السنوات التي ستضاف إلى العقوبات، وإنما في التحول الذي تستهدف إحداثه في فلسفة مواجهة الإرهاب؛ من ملاحقة المنفذين إلى تفكيك الشبكات، ومن معاقبة الجريمة إلى الوقاية من تكرارها، ومن التعامل مع التهديد بعد وقوعه إلى بناء قدرة مؤسسية على استباقه وإحباطه.

الغد




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :