• الرئيسية
  • مقالات

  • بين مشروعين متصادمين وغياب المشروع العربي: من يملأ الفراغ؟ الدكتور علي فواز العدوان

بين مشروعين متصادمين وغياب المشروع العربي: من يملأ الفراغ؟ الدكتور علي فواز العدوان



في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تقف المنطقة العربية أمام معادلة استراتيجية قاسية: مشروعان متصادمان يفرضان إيقاعهما على الجغرافيا السياسية، مقابل غياب عربي واضح يرقى إلى مستوى المشروع. وفي مثل هذه اللحظات، لا يُقاس الحضور بحجم التصريحات، بل بقدرة الدول على إنتاج رؤية، وبناء أدوات، وفرض معادلات.
المشروع الإيراني لم يعد خافياً على أحد؛ هو مشروع يتمدد بهدوء حيناً، وبخشونة حيناً آخر، مستنداً إلى أدوات غير تقليدية، تبدأ من الميليشيات ولا تنتهي عند إعادة تشكيل الهويات الفرعية داخل الدول. هو مشروع طويل النفس، يعرف كيف يستثمر في الفراغ، ويحوّل الهشاشة إلى نفوذ.
في المقابل، يتحرك المشروع الإسرائيلي وفق عقيدة أمنية صلبة، قائمة على التفوق النوعي، والضربات الاستباقية، وإعادة هندسة البيئة الأمنية المحيطة به. لا ينتظر التهديد حتى يكتمل، بل يعمل على تفكيكه في مراحله الأولى، مستفيداً من تشتت الإقليم، وغياب الردع الجماعي.
لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في قوة هذين المشروعين، بل في حقيقة أنهما يتغذيان على غياب المشروع العربي. هذا الغياب لم يعد مجرد خلل سياسي عابر، بل تحوّل إلى فراغ استراتيجي مفتوح، تستبيحه كل القوى، وتتنافس على ملئه كل الأجندات.
العرب اليوم لا يفتقرون إلى الإمكانات، بل إلى الإرادة الجامعة. فـ"نظام الدفاع العربي المشترك" ما يزال حبيس الأدراج، يُستدعى في البيانات، ويغيب في الميدان. أما العمل العربي المشترك، فقد انزلق من كونه إطاراً لصناعة الفعل، إلى مساحة لإدارة الأزمات وردود الفعل.
وفي ظل هذا الفراغ، لم تتأخر النتائج بالظهور. تآكلت الدولة الوطنية في أكثر من ساحة، وتحولت بعض العواصم إلى ميادين صراع بالوكالة. وعلى الهامش، تمددت التنظيمات المتطرفة، مستفيدة من انهيار المعنى، قبل انهيار الحدود، كما هو الحال مع داعش والقاعدة، اللتين وجدتا في غياب المشروع الجامع بيئة مثالية لإعادة إنتاج الفوضى.
الأخطر من ذلك، أن هذا الفراغ لم يعد سياسياً أو عسكرياً فقط، بل أصبح فراغاً فكرياً أيضاً. فمع غياب مشروع عربي إسلامي معتدل، قادر على تقديم خطاب جامع، تُرك المجال مفتوحاً أمام أفكار التكفير، وثقافة الإقصاء، ومنطق التفجير والتهجير. وهنا، لا تعود المعركة على الأرض فقط، بل على الوعي والهوية والانتماء.
المطالبات بتفعيل منظومة دفاع عربي مشترك ما تزال خجولة، لأنها تصطدم بثلاثة عوائق رئيسية: غياب الإرادة السياسية الموحدة، تآكل الثقة البينية، وغياب تعريف مشترك للتهديد. وفي ظل هذه المعادلة، يبقى كل طرف يدير أمنه بشكل منفرد، فيما التهديدات بطبيعتها عابرة للحدود.
إن أخطر ما في المشهد ليس ما يجري، بل ما يمكن أن يجري إذا استمر هذا الفراغ. فالتاريخ لا يعترف بالمساحات الفارغة، والسياسة لا تقبل الحياد في مناطق الصراع. إما أن تملأ الدول العربية هذا الفراغ بمشروعها، أو ستبقى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين.
اخيراً لا يمكن مواجهة مشروع بموقف، ولا احتواء تهديد بردّ فعل. ما تحتاجه المنطقة اليوم هو مشروع عربي حقيقي—سياسي، أمني، وفكري—يعيد تعريف الأمن القومي، ويؤسس لردع جماعي، ويستثمر في الإنسان كخط الدفاع الأول.
وحتى يحدث ذلك، سيبقى السؤال مفتوحاً: من يملأ الفراغ… العرب، أم غيرهم؟.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :