- الرئيسية
مقالات
- عودة ترامب خاسراً من بكين… والصين تتمسك بإيران ومعادلات هرمز الدكتور علي فواز العدوان
عودة ترامب خاسراً من بكين… والصين تتمسك بإيران ومعادلات هرمز الدكتور علي فواز العدوان
لم تكن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل جاءت في توقيت دولي شديد الحساسية، يتقاطع فيه صراع الطاقة مع الأمن البحري، وتتحول فيه أزمة مضيق هرمز إلى عقدة استراتيجية تتحكم بإيقاع الاقتصاد العالمي وأسعار النفط وسلاسل الإمداد الدولية.
البيت الأبيض حاول تسويق الزيارة باعتبارها اختراقاً سياسياً واقتصادياً كبيراً، لكن القراءة العميقة للنتائج تكشف أن ما تحقق بقي دون مستوى التوقعات الأمريكية، خصوصاً في الملفات الجيوسياسية الكبرى المرتبطة بإيران ومضيق هرمز وإعادة تشكيل موازين القوى في آسيا.
فعلى المستوى التجاري، ورغم الضجيج الإعلامي الذي رافق الزيارة، جاءت النتائج محدودة مقارنة بما كانت تطمح إليه واشنطن فصفقات شراء نحو 200 طائرة من شركة بوينغ وبعض الاتفاقيات الزراعية لا تمثل تحولاً اقتصادياً استراتيجياً يعيد العلاقات التجارية إلى سابق عهدها، خاصة أن الأسواق كانت تتوقع صفقات أضخم تتجاوز 500 طائرة، إلى جانب تفاهمات أوسع في مجالات التكنولوجيا والطاقة وسلاسل التوريد.
لكن جوهر الزيارة لم يكن اقتصادياً بقدر ما كان أمنياً واستراتيجياً. الإدارة الأمريكية كانت تسعى إلى انتزاع موقف صيني واضح يدعم الضغوط الأمريكية في ملف مضيق هرمز، ويُحمّل إيران مسؤولية تهديد الملاحة الدولية. غير أن بكين تعاملت مع هذا المطلب ببراغماتية شديدة، تحافظ من خلالها على توازن دقيق بين مصالحها مع واشنطن وتحالفها العميق مع طهران.
اللافت أن الروايتين الأمريكية والصينية حول نتائج اللقاء أظهرتا فجوة سياسية واضحة. ترامب تحدث عن “تفاهم” مع الصين بشأن حرية الملاحة، فيما اكتفت الخارجية الصينية بإعادة التأكيد على موقفها التقليدي الداعي إلى الاستقرار والحوار دون أي التزام عملي بالرؤية الأمريكية أو الانخراط في مشروع احتواء إيران.
هذا التباين لم يكن تفصيلاً دبلوماسياً، بل رسالة استراتيجية صينية تقول إن بكين لن تتحول إلى أداة ضمن مشروع الهيمنة الأمريكية في الخليج، وإن علاقتها مع طهران تتجاوز الحسابات الظرفية، لأنها ترتبط بأمن الطاقة ومشروع “الحزام والطريق” وإعادة تشكيل النظام الدولي متعدد الأقطاب.
الصين تدرك أن إيران ليست مجرد مورد نفطي، بل تمثل نقطة ارتكاز جيوسياسية في قلب آسيا الغربية، وتشكّل معبراً استراتيجياً لمشاريع النقل والطاقة الصينية نحو أوروبا والشرق الأوسط. ولهذا فإن بكين ترفض التضحية بطهران مقابل وعود أمريكية مؤقتة أو صفقات تجارية قابلة للتغيير مع تغير الإدارات في واشنطن.
وفي المقابل، فإن إدارة ترامب تدرك أن معركتها الحقيقية لم تعد فقط مع إيران، بل مع الصعود الصيني ذاته، خاصة في ظل محاولات بكين بناء منظومة اقتصادية ومالية تقلل الاعتماد على الدولار الأمريكي وتفتح المجال أمام تحالفات نقدية وتجارية جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي.
من هنا، فإن أزمة هرمز لم تعد أزمة ممر مائي فحسب، بل تحولت إلى ساحة اختبار بين مشروعين دوليين: مشروع أمريكي يسعى للحفاظ على الهيمنة الأحادية، ومشروع صيني يقوم على إدارة النفوذ عبر الاقتصاد والطاقة والشراكات طويلة المدى.
الأخطر في المشهد أن فشل واشنطن في استقطاب الصين ضد إيران يعكس تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض اصطفافات دولية حادة كما كان يحدث بعد الحرب الباردة. فالعالم اليوم لم يعد يقاد بالمنطق ذاته، والقوى الكبرى باتت أكثر ميلاً لإدارة مصالحها وفق البراغماتية الاقتصادية لا وفق الرغبات الأمريكية.
بكين خرجت من الزيارة محافظة على علاقتها مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه لم تقدم أي تنازل استراتيجي في الملف الإيراني. أما ترامب، فعاد محملاً بصور دبلوماسية وصفقات محدودة، دون أن يحقق الاختراق الذي كان يبحث عنه في هرمز أو في احتواء الصين داخل الفلك الأمريكي.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً، حيث ستبقى إيران لاعباً يصعب عزله، وستواصل الصين سياسة “التوازن الذكي”، فيما تواجه الولايات المتحدة تحدياً متزايداً في إدارة عالم يتجه تدريجياً نحو تعدد الأقطاب وانتهاء زمن الهيمنة المطلقة.
البيت الأبيض حاول تسويق الزيارة باعتبارها اختراقاً سياسياً واقتصادياً كبيراً، لكن القراءة العميقة للنتائج تكشف أن ما تحقق بقي دون مستوى التوقعات الأمريكية، خصوصاً في الملفات الجيوسياسية الكبرى المرتبطة بإيران ومضيق هرمز وإعادة تشكيل موازين القوى في آسيا.
فعلى المستوى التجاري، ورغم الضجيج الإعلامي الذي رافق الزيارة، جاءت النتائج محدودة مقارنة بما كانت تطمح إليه واشنطن فصفقات شراء نحو 200 طائرة من شركة بوينغ وبعض الاتفاقيات الزراعية لا تمثل تحولاً اقتصادياً استراتيجياً يعيد العلاقات التجارية إلى سابق عهدها، خاصة أن الأسواق كانت تتوقع صفقات أضخم تتجاوز 500 طائرة، إلى جانب تفاهمات أوسع في مجالات التكنولوجيا والطاقة وسلاسل التوريد.
لكن جوهر الزيارة لم يكن اقتصادياً بقدر ما كان أمنياً واستراتيجياً. الإدارة الأمريكية كانت تسعى إلى انتزاع موقف صيني واضح يدعم الضغوط الأمريكية في ملف مضيق هرمز، ويُحمّل إيران مسؤولية تهديد الملاحة الدولية. غير أن بكين تعاملت مع هذا المطلب ببراغماتية شديدة، تحافظ من خلالها على توازن دقيق بين مصالحها مع واشنطن وتحالفها العميق مع طهران.
اللافت أن الروايتين الأمريكية والصينية حول نتائج اللقاء أظهرتا فجوة سياسية واضحة. ترامب تحدث عن “تفاهم” مع الصين بشأن حرية الملاحة، فيما اكتفت الخارجية الصينية بإعادة التأكيد على موقفها التقليدي الداعي إلى الاستقرار والحوار دون أي التزام عملي بالرؤية الأمريكية أو الانخراط في مشروع احتواء إيران.
هذا التباين لم يكن تفصيلاً دبلوماسياً، بل رسالة استراتيجية صينية تقول إن بكين لن تتحول إلى أداة ضمن مشروع الهيمنة الأمريكية في الخليج، وإن علاقتها مع طهران تتجاوز الحسابات الظرفية، لأنها ترتبط بأمن الطاقة ومشروع “الحزام والطريق” وإعادة تشكيل النظام الدولي متعدد الأقطاب.
الصين تدرك أن إيران ليست مجرد مورد نفطي، بل تمثل نقطة ارتكاز جيوسياسية في قلب آسيا الغربية، وتشكّل معبراً استراتيجياً لمشاريع النقل والطاقة الصينية نحو أوروبا والشرق الأوسط. ولهذا فإن بكين ترفض التضحية بطهران مقابل وعود أمريكية مؤقتة أو صفقات تجارية قابلة للتغيير مع تغير الإدارات في واشنطن.
وفي المقابل، فإن إدارة ترامب تدرك أن معركتها الحقيقية لم تعد فقط مع إيران، بل مع الصعود الصيني ذاته، خاصة في ظل محاولات بكين بناء منظومة اقتصادية ومالية تقلل الاعتماد على الدولار الأمريكي وتفتح المجال أمام تحالفات نقدية وتجارية جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي.
من هنا، فإن أزمة هرمز لم تعد أزمة ممر مائي فحسب، بل تحولت إلى ساحة اختبار بين مشروعين دوليين: مشروع أمريكي يسعى للحفاظ على الهيمنة الأحادية، ومشروع صيني يقوم على إدارة النفوذ عبر الاقتصاد والطاقة والشراكات طويلة المدى.
الأخطر في المشهد أن فشل واشنطن في استقطاب الصين ضد إيران يعكس تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض اصطفافات دولية حادة كما كان يحدث بعد الحرب الباردة. فالعالم اليوم لم يعد يقاد بالمنطق ذاته، والقوى الكبرى باتت أكثر ميلاً لإدارة مصالحها وفق البراغماتية الاقتصادية لا وفق الرغبات الأمريكية.
بكين خرجت من الزيارة محافظة على علاقتها مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه لم تقدم أي تنازل استراتيجي في الملف الإيراني. أما ترامب، فعاد محملاً بصور دبلوماسية وصفقات محدودة، دون أن يحقق الاختراق الذي كان يبحث عنه في هرمز أو في احتواء الصين داخل الفلك الأمريكي.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً، حيث ستبقى إيران لاعباً يصعب عزله، وستواصل الصين سياسة “التوازن الذكي”، فيما تواجه الولايات المتحدة تحدياً متزايداً في إدارة عالم يتجه تدريجياً نحو تعدد الأقطاب وانتهاء زمن الهيمنة المطلقة.
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...