• الرئيسية
  • مقالات

  • هل كان جورج أورويل محقاً؟ .. مباراة مصر والأرجنتين و«الحرب بلا رصاص» كتبت د. آمال جبور

هل كان جورج أورويل محقاً؟ .. مباراة مصر والأرجنتين و«الحرب بلا رصاص» كتبت د. آمال جبور


- بين آلاف المنشورات التي كانت تملأ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بعد مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026، لفت انتباهي منشور لأحد الأصدقاء، أعاد فيه نشر مقال قديم للكاتب البريطاني جورج أورويل بعنوان "الروح الرياضية". توقفت عنده بدافع الفضول، ثم وجدت نفسي أعود إلى نص كُتب قبل أكثر من ثمانين عاما، لكنه بدا وكأنه يصف ما كنا نعيشه خلال المباراة وما تبعها على منصات التواصل.
لم يكن أورويل يتحدث عن كرة القدم بوصفها لعبة، بل عن الرياضة حين تتحول إلى امتداد للسياسة والهوية الوطنية. فقد كتب، بعد الحرب العالمية الثانية، في كانون الأول عام 1945 بصحيفة «التريبيون»، أن المباريات الدولية كثيرا ما تصبح "حربا بلا إطلاق نار"، وأن الجماهير هي التي تمنحها هذا المعنى، فيصبح الفوز انتصارا للأمة، والخسارة جرحا في كرامتها.
ولعل ما شهدناه بعد مباراة مصر والأرجنتين كان أقرب تجسيد لهذه الفكرة. فعلى أرض الملعب، كانت مباراة في دور الـ16 من كأس العالم انتهت بفوز الأرجنتين 3-2 بعد مواجهة مثيرة حتى الدقائق الأخيرة. لكن خارج الملعب، دارت مباراة أخرى لا تقل سخونة، ملايين التعليقات، ونقاشات لا تنتهي حول التحكيم، وتقنية الفيديو، والفرص الضائعة، والقرارات التي أثارت لدى الجمهور شعورا بأن العدالة لم تكن حاضرة.
في تلك اللحظة لم تعد الكرة مجرد كرة، تحولت إلى هوية، وإلى شعور جماعي، وإلى مساحة يختلط فيها الوطني بالعاطفي، والسياسي بالرياضي. فالمشجع لا يرى أحد عشر لاعبا فقط، بل يرى علما ونشيدا وتاريخا، وصورة يريد لبلده وقوميته أن تظهر بها أمام العالم.
وربما هنا تكمن الفكرة الأعمق عند أورويل، فالرياضة لا تخلق الصراعات، بل تكشف ما يختزنه الناس من هويات وانتماءات ومشاعر، لذلك تصبح المباراة مرآة للمجتمعات، تعكس ما يدور فيها من آمال ومخاوف وصراعات، وعندما ترتبط بالهوية الوطنية، يصبح الفوز رمزا للتفوق، والهزيمة عنوانا للانكسار.

لكن، بعد مرور ثمانية عقود على مقال أورويل، ربما تستحق أفكاره مراجعة أيضا.
فالرياضة التي قد تنتج التعصب، كما حذّر أورويل، هي نفسها قادرة على توحيد المشاعر، كما كشفت مباراة مصر والأرجنتين. فقد التقت مشاعر شعوب مختلفة تتشابه في كثير من تجاربها وتحدياتها، وهو ما أعاد على وجه الخصوص، حضور الانتماء العربي، وأعاد إلى الواجهة أسئلة العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص، وتقدير ما تقدمه الفرق من طموح وإصرار.
لكن الجديد في عصرنا أن المباراة لا تنتهي مع صافرة الحكم، بل تمتد إلى فضاء أوسع، حيث أصبحت المنصات الرقمية ملعبا موازيا تُخاض فيه معارك العدالة والهوية والرواية، بل وتُشكَّل فيه السرديات أيضا.
ربما لم يكن أورويل يتوقع أن تمتد الملاعب إلى ما يسمى اليوم فضاء التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت جماهير المنصات أكبر من جماهير المدرجات، وتخوض معاركها بعيدا عن صافرة الحكم.
وهذا هو الفارق بين زمن أورويل وزمننا. في الماضي كانت صافرة الحكم تنهي المباراة، أما اليوم فهي تعلن بداية مباراة أخرى، تدور على الشاشات والهواتف، وقد تكون أكثر تأثيرا من المباراة نفسها.
ولعل السؤال الحقيقي ليس: هل كانت مباراة مصر والأرجنتين مجرد مباراة كرة قدم؟ بل: هل ما زلنا نرى الرياضة مساحة للمنافسة فقط، أم أنها أصبحت تحمل معها صراعات السياسة، وحساسيات الهوية، ورغبة الشعوب في إثبات حضورها وانتصارها؟
ربما كان جورج أورويل محقا حين وصف الرياضة بأنها "حرب بلا رصاص"، لكنه لم يكن يتخيل أن هذه الحرب ستجد امتدادا جديدا في عصر الرقمنة وادواتها، تتشارك بها الشعوب مشاعرها وذاكرتها التاريخية، وما تحمله من أسئلة حول العدالة والهيمنة والتهميش، متجاوزة حدود الرياضة والملاعب.
أصاب أورويل حين رأى أن الرياضة قد ترتبط بـ"الكراهية، والحسد، والتبجح، وتجاهل جميع القوانين"، وأنها تصبح "حربا بلا رصاص". أما الجديد اليوم، بتقديري، فهو أنها قد تنتج أيضا لحظات من التضامن الجماعي وتسهم في تشكيل وعي جمعي يتجاوز حدود الملعب، لذلك لم يكن أورويل مخطئا، لكنه ربما لم يتخيل أنها قد تكون أيضا مساحة تلتقي فيها الشعوب خلف قضايا مشتركة.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :