صدمة الاستعمار: حين تكون الجراح جماعية ومستمرة


الكاتب : د.عاصم منصور

سمعت بمصطلح صدمة الاستعمار كمصطلح طبي من طبيبة علم النفس الفلسطينية المميزة سماح جبر، خلال محاضرتها التي ألقتها على هامش افتتاح مؤتمر «صدمة الحرب» الذي عُقد في عمّان الأسبوع الماضي، وشاركتنا الدكتورة سماح تجربتها الممتدة مع الآثار النفسية التي تركها الاحتلال على الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم.

تنطلق مقاربة «الصدمة الاستعمارية» (Colonial Trauma) من مساءلة جذرية لعلم النفس السائد، الذي طالما تعامل مع الصدمة بوصفها حدثًا فرديًا منفصلاً عن سياقه التاريخي والسياسي. فالنموذج الغربي المهيمن يقيس الإنسان كوحدةٍ منفردة، وينزع عن معاناته طابعها السياسي، ويميل إلى الرؤية اللاتاريخية للطبيعة البشرية، بل ويفرض عمومية نظرياته على جميع الثقافات. والأخطر أنه كثيرًا ما يركّز على المساعدات الإنسانية بوصفها حلاً، على حساب النضال من أجل العدالة.

في المقابل، تُعرّف الصدمة الاستعمارية بأنها الأذى النفسي والجسدي، الجماعي والفردي، الناتج عن الاستعمار وسياساته المستمرة وقمعه البنيوي وعنفه الثقافي. وهي لا تقتصر على أحداث الماضي، بل تشمل الآثار المتواصلة للبنى والأيديولوجيات الاستعمارية التي تواصل تشكيل الصحة والعافية عبر الأجيال، من خلال فقدان الأرض واللغة والهوية والتعرّض للعنف والتمييز والتهجير القسري.

تقول الدكتورة سماح إن ما يُميّز الصدمة التاريخية الفلسطينية بأنها استعمارية وجماعية وتراكمية وعابرة للأجيال. فهي تمتد على خطٍ زمني طويل من وعد بلفور والانتداب البريطاني، مرورًا بنكبة 1948 وتهجير ثلثي الشعب الفلسطيني، ثم نكسة 1967 وجدار الفصل والحصار، وصولاً إلى ما يجري اليوم في غزة والضفة من تطهير عرقي، ولأن هذه الصدمة جماعية في جوهرها، فإن علاجها لا بد أن يكون جماعيًا كذلك، لا فرديًا. وتنتقل عبر الأجيال من خلال السردية، وأنماط التواصل بين الآباء والأبناء.

كذلك تبرز صدمة الإذلال بوصفها تجربة جوهرية في الأرض المحتلة، فالفلسطيني قد ينسى الجرح الجسدي لكنه لن يغفر أبدًا سياسة الإذلال التي يمارسها الاحتلال عليه بصورة ممنهجة لم تشهد لها البشرية مثيلاً والتي سوف تولد غضبًا، ورغبة في الانتقام، وهذا ما شهدناه في العديد من مناطق الصراع العرقي في العالم عندما ورثت سياسة الإذلال بحق الشعوب عنفا يعقبه مزيد من الإذلال ودوراتٌ متجددة من الثأر، وهو نمطٌ يفسّر كثيرًا من الصراعات الإثنية وأشكال الهيمنة الاستعمارية.

كما عرجت الدكتورة على مفهوم «عبء النجاة» كأحد أعمق تجليات هذه الصدمة، فالعبارة المتكررة التي تسمعها من مرضاها «لقد نجا من مات ومات من نجا، فالبقاء على قيد الحياة في غزة أصبح عبئًا بذاته، فأن تبقى حيًا بينما تحمل الخسائر ودمار العالم الذي انتميتَ إليه، ليست نجاةً من الموت بل موت يتكرر كل دقيقة.»
إن مقاربة الصدمة الاستعمارية تدعو إلى تحويل النظر من «ما الخلل في هذا الفرد؟» إلى «ما الذي فُعِل بهذا الشعب؟» ومن العلاج الفردي المنزوع من سياقه إلى شفاءٍ جماعي يربط الصحة النفسية بالكرامة والعدالة والتحرر.

الغد




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :