استمرار مجلس الأعيان ودلالاته الدستورية


الكاتب : أ. د. ليث كمال نصراوين

صدرت الإرادة الملكية السامية قبل أيام بإعادة تعيين دولة السيد فيصل الفايز رئيسا لمجلس الأعيان لمدة سنتين جديدتين، وتعيين عضو جديد في المجلس لاستكمال النسبة الدستورية المقررة لعدد أعضائه قياسا إلى عدد أعضاء مجلس النواب، وذلك عملا بأحكام المادة "63" من الدستور. وقد جاء هذا القرار الملكي في إطار الاستحقاقات الدستورية المرتبطة بانتهاء مدة ولاية رئيس المجلس، حيث اقتصر على التجديد للرئيس الحالي واستكمال التشكيلة العددية للمجلس، مع الإبقاء على بقية الأعضاء، ليواصل المجلس ممارسة اختصاصاته خلال المدة الدستورية المحددة له.
ويثير هذا القرار مسائل دستورية تستحق التوقف عندها، وفي مقدمتها مدة العضوية في مجلس الأعيان وعلاقتها بمدة رئاسته. فقد حددت المادة "65" من الدستور مدة العضوية بأربع سنوات، وأجازت إعادة تعيين الأعضاء عند انتهائها، في حين حددت مدة رئاسة المجلس بسنتين مع جواز إعادة التعيين. ويعكس هذا التمييز اختلاف المركز القانوني لكل من عضو مجلس الأعيان ورئيسه، بحيث لا يشكل انتهاء مدة الرئاسة سببا دستوريا يقتضي حل المجلس أو إعادة تعيين أعضائه، وإنما يستوجب البت في إعادة تعيين رئيسه أو اختيار رئيس جديد.

ومع ذلك، فإن تحديد مدة العضوية بأربع سنوات لا يحول دون ممارسة جلالة الملك صلاحياته الدستورية بحل مجلس الأعيان وإعادة تشكيله قبل انقضاء هذه المدة، وفقا لما يراه محققا للمصلحة العامة. ويؤكد الفصل بين مدة العضوية والرئاسة أن المشرع الدستوري أراد التمييز بين استمرارية المجلس والتجديد الدوري لرئاسته، إذ لو كان المقصود إعادة تشكيل مجلس الأعيان كل سنتين، لما كان هناك مبرر لتحديد مدة العضوية بأربع سنوات.

ويمكن فهم هذه الأحكام في إطار الحرص على استمرارية عمل مجلس الأعيان، بوصفه أحد مجلسي السلطة التشريعية، وإتاحة المجال أمام أعضائه لممارسة اختصاصاتهم. فاستقرار العضوية يسهم في تراكم الخبرات البرلمانية، ويعزز قدرة المجلس على متابعة مشروعات القوانين وممارسة دوره التشريعي، دون أن يكون انتهاء مدة الرئاسة سببا في تغيير تشكيلته. كما أن استكمال المدة الدستورية يمنح المجلس فرصة أوسع لتقييم أدائه على أساس ما يحققه من إنجازات تشريعية، بعيدا عن اعتبارات التغيير المرتبطة بمرور فترات زمنية محددة.

ولا تنفصل هذه الفلسفة عن الأحكام الدستورية المتعلقة بمجلس النواب، الذي حددت المادة "68" من الدستور مدته بأربع سنوات شمسية، مع جواز حله قبل انتهائها. فرغم اختلاف طريقة تشكيل المجلسين، فإن تحديد مدة أصلية لكل منهما يعكس الحرص على استمرارية السلطة التشريعية، مع الإبقاء على صلاحيات الحل استثناء من الأصل العام. وقد تجلى هذا التوجه خلال السنوات الماضية في استمرار المجالس النيابية المنتخبة حتى انتهاء مددها الدستورية، وإتاحة المجال أمام الحكومات للاستمرار في ممارسة مسؤولياتها لفترات زمنية مماثلة، بما يعزز استقرار المؤسسات الدستورية.

وفي هذا السياق، تبقى صلاحيات تعيين أعضاء مجلس الأعيان وحله وإعادة تشكيله من اختصاص جلالة الملك، الذي يمارسها وفق أحكام الدستور وتقديره للمصلحة العامة. أما ما تناقلته بعض الأوساط والصالونات السياسية من أخبار عن قرب حل المجلس، وتداول أسماء شخصيات مرشحة لمغادرته وأخرى للانضمام إليه، فيبقى في إطار التكهنات السياسية. وقد جاء القرار الملكي مخالفا لهذه التوقعات، مؤكدا أن كثرة تداولها لا تجعل منها حقائق، ولا تؤثر في ممارسة الصلاحيات الدستورية.

خلاصة القول، إن بقاء مجلس الأعيان بأعضائه الحاليين بعد مرور عامين على تشكيله يؤكد أن الأصل هو استكمال المدد الدستورية المقررة لمجلسي الأمة، مع بقاء صلاحيات الحل قائمة وفقا للدستور. ويحمل هذا القرار دلالة تتجاوز مواصلة المجلس أداء مهامه، تتمثل في تعزيز استقرار السلطات الدستورية، ومنحها الوقت الكافي لممارسة اختصاصاتها، بما يحقق التوازن بين متطلبات الاستمرارية والصلاحيات المتعلقة بالتغيير وإعادة التشكيل.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

l.nasrawin@ju.edu.jo

الراي




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :