من نحن بعد 7 أكتوبر؟


الكاتب : محمد أبو رمان

يضع تامير هايمان أمامنا سؤالاً إسرائيلياً ينبغي أن يقرع أجراس الإنذار في عمّان والعواصم العربية: «من نحن بعد 7 أكتوبر؟». تكمن خطورته في أنه يفتح باباً لفهم إسرائيل التي تتشكّل تحت غطاء الحرب، وتعيد تعريف نفسها وحدودها وعلاقتها بمن حولها. لذلك يستحق مقاله، المنشور في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 12 أكتوبر الحالي، أن يوضع على مكاتب المسؤولين والسياسيين، وأن يُقرأ بوصفه تحذيراً مما يتجاوز ساحات القتال الراهنة.

يتضاعف وزن هذه القراءة حين نعرف أن صاحبها ترأس الاستخبارات العسكرية «أمان» بين 2018 و2021، ويدير اليوم أحد أهم مراكز التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، صحيح أن هايمان يشخّص التحولات وينتقدها، ولا يعلن تبنّي المعهد لها، لكنه يكشف من داخل البيئة الأمنية المؤثرة منطقاً يجمع سياسات تبدو متفرقة، ويمنحنا مدخلاً إلى العقلية التي تنتجها، وهذه هي القيمة الاستثنائية للمقال، وخطورته علينا.

يميّز هايمان بين الهوية الوطنية والمفهوم الأمني والسياسة الأمنية، في ترتيب يجعل الهوية مرجعية للمفهوم، والمفهوم موجّهاً للسياسات، بمعنى أن التحوّل الذي نراه يمسّ تعريف الدولة لذاتها، ويتجاوز خيارات حكومة يمكن تبديلها؛ فإذا أصبحت الحرب جزءاً من هذا التعريف، غدا السلام تهديداً للهوية قبل أن يكون خياراً سياسياً مختلفاً، هذه، يا سادة، أخطر دلالات الانتقال من تعديل السياسة إلى إعادة تأسيس مفهوم الأمن.

تبدأ ملامح التحوّل بإعلاء يهودية الدولة على القيم «الديمقراطية» التي طالما احتمت بها – وادّعتها- في صورتها الغربية، فتتراجع المواطنة أمام أولوية الانتماء القومي والديني، ويتكامل ذلك مع إنكار أصالة الوطنية الفلسطينية، ورفض الدولة والفصل السياسي، وتوسيع الاستيطان، واختزال حقوق الفلسطينيين في الإقامة والإدارة المحلية، بل يتجاوز الأمر تعطيل التسوية إلى نزع الأساس الذي يجعلها ممكنة أصلاً، أي الاعتراف بشعب آخر صاحب حق في الأرض والسيادة.

يقود هذا الإنكار إلى إعادة تعريف السلام نفسه؛ إذ يصبح ترتيباً عابراً تُقاس قيمته بما يخدم التفوق الإسرائيلي، بينما تُمنح الحرب صفة الضرورة الدائمة، فالحرب هي عنوان الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية الجديدة، فعندما يفقد الأمن نقطة الوصول التي يمكن إعلان الاكتفاء عندها، فكل تفوق يحتاج إلى حرب تصونه، وكل حرب تخلق حدوداً أمنية جديدة تتطلب مزيداً من التوسع، وهكذا يتحوّل الخوف من تكرار المفاجأة إلى مسوّغ مفتوح لإخضاع المحيط، ويصبح أمن الآخرين رهينة تعريف إسرائيلي لا يعرف الاستقرار.

تبلغ هذه الفلسفة ذروتها حين يستخلص هايمان تصوراً ينظر إلى الدول العربية باعتبارها تجمعات قبلية وإثنية، ويعدّ تقويض استقرارها أمراً يمكن تشجيعه وإدارته، تلك النظرية التي تنزع عن الدولة العربية سيادتها باعتبارها قابلة للتجاوز، ليصبح تماسكنا، وفق هذا المنطق، عقبة أمام الهيمنة، وتصبح شروخ مجتمعاتنا فرصاً لها؛ وهذه معادلة تمسّ وجود الدول، لا مجرد خلافاتها مع إسرائيل.

يمتد المنطق إلى الحليف الأميركي، عبر الدعوة للتحرر من الاعتماد عليه، عسكرياً وصناعياً، ومن تأثير قيمه التقدمية، مما ينقلنا إلى مستوى آخر من تحليل المقالة وهو: «الأنا» الإسرائيلية المتضخمة، التي تتخيّل امتلاك القدرة على هندسة المنطقة، وتفكيك تهديداتها، وتخفيف قيود التحالفات عليها، والمفارقة أن هذا التصور يجتمع فيه خوف وجودي عميق وشعور بفائض قوة، وهو اجتماع بالغ الخطورة؛ فالخوف يمنح التوسع مبرّره، والغطرسة تُسقط حساب كلفته وحدوده، كأننا أمام قوة كبرى تطلب حق الوصاية على الإقليم.

يتقاطع ذلك مع إعلان نتنياهو، في 18 أكتوبر، أولوية الوقاية والهجوم والضربات الاستباقية والاستقلال في الذخائر، ومع دفاعه عن المناطق العازلة، لكن الفرق أنّ هايمان يكشف ما وراء هذه الأدوات: تصوراً يعيد ترتيب العلاقة بين القوة والهوية والسيادة، لذلك لا يكفي اختزال المسألة بشخص نتنياهو، أو انتظار انتهاء جولة عسكرية؛ فالسؤال هو مقدار ما يتحوّل من هذه الممارسات إلى قواعد راسخة في تعريف إسرائيل لأمنها ومستقبلها.

تفرض هذه القراءة على الأردن والعرب مراجعة جذرية لافتراضات العلاقة بإسرائيل، والخروج تماماً من أي وهمّ بتسوية سلمية مع إسرائيل، بل مراجعة هذا التحول على الأمن الإقليمي بأسره؛ فماذا تعني معاهدة سلام إذا أخذ الطرف الآخر ينظر إلى السلام باعتباره هدنة مصلحية، وإلى قوة جيرانه باعتبارها مشكلة؟ وكيف نصون الاستقرار إذا أصبح تفكيك المجال المحيط أداة لإنتاج الأمن الإسرائيلي؟ المطلوب إدراك الخطر وبناء القدرة على مواجهته، بدءاً بتماسك الدولة، وحماية حقوق الفلسطينيين، ورفض التهجير، وتطوير أدوات عربية مشتركة تحدّ من التوسع.

الدستور




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :