شهادة جامعية لا تكفي


بقلم الأستاذ الدكتور محمد ناصر المشاقبة

لم تعد المشكلة في الأردن تتمثل فقط في ارتفاع أعداد خريجي الجامعات، أو محدودية فرص العمل المتاحة أمامهم، بل أصبحت المشكلة الأعمق تكمن في الفجوة المتزايدة بين ما يتعلمه الطالب داخل الجامعة وما يُطلب منه فعلياً عندما يقف أمام صاحب العمل بحثاً عن فرصة وظيفية.
وأود هنا أن أتحدث من واقع الحال، ومن خلال تجربتي الشخصية والأكاديمية، وما لمسته عن قرب من واقع الطلبة ومستوى مهاراتهم، وما يتطلبه سوق العمل فعلياً من خريجي كليات الأعمال. فما نطرحه ليس مجرد تنظير أكاديمي أو أفكار مثالية، بل ملاحظات واقعية تستحق الوقوف عندها ومناقشتها بجدية، بهدف تطوير مخرجات التعليم الجامعي وتعزيز قدرة خريجينا على المنافسة.
وهنا يبرز سؤال يستحق أن نتوقف أمامه: هل نُخرّج طلبة يمتلكون المعرفة الأكاديمية اللازمة لاجتياز المساقات والامتحانات، أم نُخرّج كفاءات قادرة على المنافسة في سوق العمل، والتعامل مع بيئة الأعمال الحديثة، وإثبات جدارتها مهنياً؟
إن واقع خريجي كليات الأعمال في الأردن يكشف عن تحديات لا يجوز تجاهلها. فقد يحصل الطالب على درجة البكالوريوس في المحاسبة أو إدارة الأعمال أو نظم المعلومات الإدارية أو التمويل، ويمضي أربع سنوات في الدراسة الجامعية، لكنه عند التقدم لوظيفة يكتشف أن الشهادة الجامعية وحدها لا تكفي، وأن ما ينقصه قد يكون أكثر أهمية من المعرفة النظرية التي اكتسبها خلال سنوات الدراسة.
أولاً: اللغة الإنجليزية... فجوة لا يمكن الاستمرار في تجاهلها
من أكثر التحديات وضوحاً لدى شريحة من خريجي كليات الأعمال ضعف مهارات اللغة الإنجليزية، ليس فقط في المحادثة، بل أيضاً في الكتابة المهنية، وإعداد التقارير، وفهم المصطلحات المالية والمحاسبية، والتواصل مع العملاء، وإجراء المقابلات الوظيفية، والتعامل مع البرامج والأنظمة المهنية التي تعتمد اللغة الإنجليزية. ولنكن واقعيين؛ فالكثير من الوظائف في القطاعات المصرفية والمالية والمحاسبية وشركات التدقيق والاستشارات والأعمال الدولية تتطلب مستوى عملياً من اللغة الإنجليزية. كما أن متابعة التطورات الحديثة في تخصصات الأعمال والتعامل مع المصادر العلمية والتطبيقات المهنية أصبح مرتبطاً بدرجة كبيرة بإتقان هذه اللغة. ومن غير المنطقي أن يتخرج الطالب بعد أربع سنوات من الدراسة الجامعية دون أن يمتلك الحد الأدنى من الكفاءة اللغوية التي تمكّنه من أداء مقابلة وظيفية باللغة الإنجليزية، أو كتابة بريد إلكتروني مهني، أو إعداد تقرير بسيط في مجال تخصصه. إن تدريس مساق أو مساقين باللغة الإنجليزية لا يعني بالضرورة أن الطالب أصبح متمكناً منها؛ فإتقان اللغة مهارة تراكمية تحتاج إلى تدريب متخصص، وممارسة مستمرة، وقياس حقيقي لمستوى الأداء.
ثانياً: المعرفة الأكاديمية لا تعني بالضرورة الجاهزية المهنية
لا شك أن الخطط الدراسية في كليات الأعمال تتضمن مساقات أساسية ومتخصصة تشكل القاعدة العلمية للطالب، لكن التحدي يكمن في مدى ارتباط هذه المساقات بالمهارات التي يحتاجها الخريج في بيئة العمل الفعلية. فخريج المحاسبة، على سبيل المثال، قد يكون قادراً على حل المسائل المحاسبية واجتياز الامتحانات، لكنه قد يواجه صعوبة عند التعامل مع الأنظمة المحاسبية الحديثة، أو إعداد التقارير باستخدام التطبيقات المتقدمة، أو تحليل البيانات المالية، أو تطبيقات التدقيق الإلكتروني. وكذلك خريج إدارة الأعمال قد يمتلك معرفة بمبادئ الإدارة والتسويق والموارد البشرية، لكنه قد يفتقر إلى مهارات إعداد دراسات الجدوى، وإدارة المشاريع باستخدام الأدوات الرقمية، وتحليل مؤشرات الأداء، وإعداد العروض المهنية، والتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي في بيئة الأعمال. المشكلة ليست في غياب المعرفة النظرية، بل في عدم تحويل هذه المعرفة بالقدر الكافي إلى مهارات قابلة للتطبيق والقياس.
ثالثاً: أين المهارات المهنية والشهادات الدولية من الخطط الدراسية؟
من القضايا التي تستحق إعادة النظر أن كثيراً من البرامج الأكاديمية لا تمنح الطالب مساراً واضحاً يساعده على اكتساب المهارات المهنية والتقنية التي تؤهله للحصول على شهادات دولية معترف بها إلى جانب شهادته الجامعية. إن المطلوب ليس إضافة المزيد من المساقات النظرية إلى الخطط الدراسية، بل إعادة النظر في طبيعتها ومحتواها، بحيث تتضمن تدريباً عملياً حقيقياً على المهارات التي يحتاجها الخريج في تخصصه، وتؤهله للتقدم للحصول على الشهادات المهنية والتقنية الدولية ذات الصلة بمجال عمله. فمن المهم أن يتخرج طالب المحاسبة وهو يمتلك القدرة على التعامل مع التطبيقات المحاسبية وتحليل البيانات والتدقيق باستخدام التكنولوجيا، وأن يتخرج طالب التمويل وهو قادر على تحليل البيانات المالية واستخدام الأدوات الحديثة، وأن يمتلك طالب نظم المعلومات الإدارية المهارات التقنية التي تمكنه من التعامل مع الأنظمة الرقمية وتحليل المعلومات. إن حصول الطالب على شهادة جامعية إلى جانب مؤهل مهني أو تقني موثق يمثل قيمة مضافة حقيقية، ويعزز فرصه في التوظيف والمنافسة، ويجعل الجامعة أكثر ارتباطاً باحتياجات سوق العمل.
رابعاً: ما الذي ينبغي أن تقوم به هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها؟
إن مسؤولية تطوير مخرجات التعليم لا تقع على الجامعات وحدها، بل تتطلب دوراً فاعلاً من هيئة الاعتماد، ليس فقط من خلال وضع المعايير ومراجعة الخطط الدراسية وقياس استيفاء متطلبات الاعتماد، وإنما أيضاً من خلال توجيه المؤسسات الأكاديمية نحو حلول تطبيقية تعالج مواطن الضعف الفعلية لدى الخريجين. ومن هنا، أرى ضرورة أن تتجه الهيئة إلى تبني مجموعة من المتطلبات والإجراءات الواقعية، أبرزها:
1. اعتماد متطلب الكفاءة الفعلية في اللغة الإنجليزية
توجيه الجامعات إلى توفير مساقات تدريبية متخصصة وإلزامية لطلبة كليات الأعمال، تُدرّس على أيدي متخصصين مؤهلين في اللغة الإنجليزية للأغراض الأكاديمية والمهنية، وليس الاكتفاء بمساقات اللغة التقليدية. ويجب أن يشمل التدريب المحادثة المهنية، وكتابة التقارير والمراسلات، ومهارات المقابلات الوظيفية، والمصطلحات المتخصصة في الأعمال. والأهم أن ينتهي هذا التدريب بامتحان معياري معتمد، مع تمكين الطالب من التقدم للحصول على شهادة دولية في اللغة الإنجليزية، وفق المستوى الذي يحققه، بحيث لا يتخرج الطالب حاملاً شهادة جامعية فقط، بل يمتلك أيضاً إثباتاً موثقاً لكفاءته اللغوية.
2. ربط الخطط الدراسية بالمهارات والشهادات المهنية الدولية
توجيه الجامعات إلى مراجعة خطط كليات الأعمال بحيث تتضمن مساقات أو وحدات تدريبية تطبيقية مرتبطة بالمهارات والمتطلبات المهنية والتقنية الدولية في كل تخصص. ولا بد أن تكون هذه المساقات ذات طبيعة عملية، وأن تُصمم بالتعاون مع متخصصين وممارسين في سوق العمل، بحيث يكتسب الطالب المهارات التي تؤهله للتقدم للحصول على الشهادات المهنية ذات الصلة بتخصصه.
3. إدراج مساق المهارات المهنية والاستعداد لسوق العمل
بحيث يكون مساقاً عملياً لا نظرياً، يتدرب فيه الطالب على كتابة السيرة الذاتية، واجتياز المقابلات الوظيفية، وإعداد التقارير والعروض التقديمية، والتواصل المهني، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة في بيئة الأعمال.
4. قياس المهارات بدلاً من الاكتفاء بقياس عدد المساقات
ينبغي ألا يكون معيار نجاح البرنامج الأكاديمي مقتصراً على استكمال الخطة الدراسية وتحقيق الساعات المعتمدة، بل يجب أن يمتد إلى قياس ما يستطيع الطالب فعله فعلياً عند التخرج. فهل يستطيع إعداد تقرير مالي؟ هل يستطيع تحليل بيانات؟ هل يستطيع استخدام التطبيقات المهنية؟ هل يمتلك مهارات التواصل باللغة الإنجليزية؟ وهل يستطيع اجتياز مقابلة وظيفية وإظهار قدراته؟
هذه أسئلة ينبغي أن تصبح جزءاً أساسياً من منظومة تقييم مخرجات التعلم.
5. إشراك أصحاب العمل في تصميم المساقات وتقييم المخرجات
من الضروري أن تكون الشركات والبنوك ومكاتب التدقيق والاستشارات والمؤسسات الاقتصادية شركاء حقيقيين في تطوير الخطط الدراسية، بحيث لا تنفصل الجامعة عن احتياجات السوق، ولا يبقى تطوير البرامج الأكاديمية محصوراً في الإطار النظري.
6. جعل التدريب الميداني تدريباً حقيقياً
لا بد من الانتقال من التدريب الميداني الشكلي الذي يهدف إلى استكمال متطلب جامعي، إلى تدريب منظم يرتبط بمخرجات تعلم محددة، ويخضع لتقييم مشترك من الجامعة وجهة التدريب، ويمنح الطالب خبرة عملية قبل تخرجه.
خامساً: مسؤولية مشتركة لا تحتمل التأجيل
إن تطوير مخرجات كليات الأعمال ليس مسؤولية الطالب وحده، ولا يمكن اختزال المشكلة في ضعف قدراته أو عدم استعداده للتعلم. فالجامعة مسؤولة عن توفير البيئة التعليمية والتدريبية المناسبة، وهيئة الاعتماد مسؤولة عن تطوير معايير تضمن جودة المخرجات، وأصحاب العمل شركاء في تحديد المهارات المطلوبة وتوضيح احتياجاتهم الفعلية.
ومن هنا، فإن المطلوب هو الانتقال من مفهوم الاعتماد القائم على التحقق من استيفاء المتطلبات الأكاديمية إلى تعزيز الاعتماد القائم على قياس الكفاءة والقدرة على الأداء. فالخطة الدراسية الناجحة ليست بالضرورة الخطة التي تتضمن عدداً أكبر من المساقات، وإنما الخطة التي يستطيع خريجها إثبات امتلاكه للمعرفة والمهارات المطلوبة في سوق العمل.
الخلاصة: نحن بحاجة إلى تغيير فلسفة إعداد خريج كليات الأعمال..
إن التحدي الحقيقي أمام التعليم الجامعي في الأردن لم يعد مجرد تخريج أعداد من الطلبة ومنحهم شهادات أكاديمية، بل أصبح يتمثل في تخريج أشخاص يمتلكون المعرفة والمهارة والقدرة على المنافسة. ولا يجوز أن نترك الطالب يكتشف بعد تخرجه أن عليه أن يبدأ من جديد في تعلم اللغة الإنجليزية، واكتساب المهارات الرقمية، والبحث عن دورات تدريبية لسد الفجوات التي كان من الممكن معالجتها داخل الجامعة. فالجامعة ليست مكاناً لمنح الشهادات فقط، وإنما مؤسسة مسؤولة عن إعداد الإنسان وتأهيله للحياة المهنية. وهيئة الاعتماد ليست مجرد جهة تراقب مدى الالتزام بالمعايير، بل يمكن أن تكون قوة دافعة لتطوير هذه المعايير وربطها بنتائج حقيقية يشعر بها الطالب وصاحب العمل والمجتمع.
إننا لا نطالب بتقليل قيمة الشهادة الجامعية، بل نطالب بإعادة الاعتبار لقيمتها من خلال ربطها بالكفاءة. ولا نريد خريجاً يحمل شهادة بكالوريوس فحسب، بل خريجاً يحمل شهادة جامعية، ويتقن اللغة الإنجليزية، ويجيد استخدام التكنولوجيا، ويمتلك مهارات مهنية موثقة، وقادراً على إثبات كفاءته في سوق العمل.
فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: كم طالباً تخرج جامعاتنا؟ بل: ماذا يستطيع هذا الخريج أن يفعل عندما يخرج من الجامعة؟
فالشهادة تفتح الباب، لكن الكفاءة هي التي تمنح صاحبها القدرة على الاستمرار والتميز. عرض أقل




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :