تستدعي جريمة كنيسة حمود في الكرك قراءتين متلازمتين، إحداهما تبحث عمّا بقي تحت الرماد من تيارات التطرف والعنف، والأخرى تتأمل ما ظهر فوقه من تماسك المجتمع الأردني ومناعته، فالاختزال في البعد الأمني يحجب الأسئلة الأعمق عن مصير التيار الجهادي، والاكتفاء بمشهد التضامن الوطني يحوّل لحظة كاشفة إلى مناسبة للخطابة، بينما تكمن أهمية الحدث في الجمع بين ما ينذر بالخطر وما يكشف مصادر القوة.
تشير المعطيات الرسمية الأولية إلى خلفية تكفيرية للمنفذين، من دون حسم ارتباطهم التنظيمي بداعش، لكن ذلك يعيدنا إلى سؤال اشتغلنا عليه ميدانياً في مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية، في كتاب أصدرته مع الدكتور زيد عيادات عام 2022 بعنوان «الجهاديون الأردنيون وانهيار دولة داعش: ديناميكيات التطرف والإرهاب وسياسات المكافحة»، وهو سؤال مصير التيار بعد انهيار دولته في العراق وسورية، وهل تنتهي الظاهرة بانتهاء الكيان الذي منحها رمزية سياسية وأسطورة «الباقية»؟
خلصنا، من خلال مقابلات ودراسة مئات الحالات، إلى أنّ انهيار الدولة أصاب أنصار التنظيم بصدمة أيديولوجية وتنظيمية، لكنه لم يُنهِ الشبكات الاجتماعية ولا القناعات المتجذرة، فثمة فارق جوهري بين تفكيك تنظيم هرمي وإنهاء تيار متشظٍّ إلى أفراد ودوائر قرابة وصداقة ومجموعات صغيرة، يخضع كثير منها لضغط أمني شديد، ويتراجع حضورها العلني من دون أن تختفي بالضرورة قابليتها للتجدد، خصوصاً حين تتغذى من أزمات المنطقة ومشاعر المظلومية والإحباط.
الأهم أن قراءة حوادث الكرك عام 2016، وما تلاها من خلايا ومواجهات في مناطق أخرى، ينبغي ألّا تقتصر على التعامل مع كل واقعة بوصفها حدثاً منفصلاً، بل أن تبحث في الأنساب الاجتماعية والفكرية لهذه المجموعات، وصلات الأشخاص وتجاربهم ومسارات انتقال الأفكار بينهم، من دون افتراض روابط عملياتية لم تثبتها التحقيقات، فالجينالوجيا هنا أداة لفهم استمرار الظاهرة وتحولها، لا وسيلة لإطلاق أحكام مسبقة على حادثة بعينها.
يبرز في هذا السياق سؤال السجون، الذي وضعناه في صلب توصيات الدراسة، إذ خرج خلال السنوات الماضية محكومون في قضايا مرتبطة بالتطرف، بعضهم دخل السجن متعاطفاً أو متأثراً بخطاب التنظيم أكثر مما كان منخرطاً في نشاطه، فهل شكّلت سنوات العقوبة فرصة للمراجعة والاندماج، أم عزز الاختلاط داخل مهاجع التيار هوياتهم المتشددة؟ لا يكفي وجود برامج وعظية داخل السجون ما لم تقترن بتقييم مستقل لفاعليتها، وسياسات تميّز بين مستويات الخطورة، ومتابعة اجتماعية ونفسية ومهنية بعد الإفراج، تمنح الأفراد مخارج فعلية من تلك الدوائر.
أما الوجه الآخر للمشهد، فهو الاجتماع السياسي الأردني الذي واجه الجريمة بإجماع لافت، من الملك ومؤسسات الدولة إلى القوى السياسية والاجتماعية، ومن الإسلاميين إلى اليساريين والعلمانيين، بما يتجاوز الانقسامات المعتادة، وهذه ليست مجرد هبّة عاطفية، بل تعبير عن رأس مال اجتماعي ورمزي تراكم تاريخياً، ظهر في مواجهة تفجيرات عمّان عام 2005 وغيرها من الاعتداءات، حين يصبح أمن المجتمع وحق أبنائه في الحياة والعبادة خطاً جامعاً لا مادة للاستقطاب.
تنبع قيمة هذا الرصيد من خصوصية التجربة الأردنية، فالنظام السياسي الأردني، تاريخياً، ليس نظاماً دموياً، وهذه ليست مسألة عابرة في قراءة طبيعة الدولة الأردنية وتاريخها السياسي، إذ بالرغم من الهزات الإقليمية العنيفة التي عصفت بالمنطقة، والانقلابات العسكرية والصراعات الدموية التي شهدتها دول الجوار، والأزمات الداخلية والخارجية التي واجهها الأردن على امتداد عقود، بقيت هناك قيمة مركزية راسخة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، تتمثل في اعتبار الدم الأردني خطاً أحمر، وفي تجنّب الانزلاق إلى العنف الدموي بوصفه أداة لإدارة الخلافات السياسية والاجتماعية، ولا يعني ذلك إنكار ما شهده التاريخ الأردني من صدامات وأزمات مؤلمة، وإنما إدراك أن تجنّب إراقة الدماء ظلّ قيمة سياسية وأخلاقية حاضرة في تصور النظام لنفسه وفي الوعي الجمعي للأردنيين، وهي قيمة لم ينفرد النظام بصناعتها، بل تشارك المجتمع معه في ترسيخها وحمايتها، حتى أصبحت جزءاً من الرأسمال الاجتماعي والرمزي للدولة الأردنية، ومن الخصوصية التاريخية للتجربة الأردنية، ومصدراً مهماً من مصادر شرعيتها واستقرارها، ولذلك فإنّ أي اعتداء على هذه القيمة لا يمسّ الأمن العام وحده، بل يصيب أحد المرتكزات العميقة للعقد الاجتماعي الأردني.
تكشف الكرك، إذن، معادلة تستحق أن تصبح أساساً لنقاش وطني جاد، ما تحت الرماد يحتاج معرفة دقيقة وسياسات وقاية وتأهيل تتجاوز الاستجابة الأمنية وحدها، وما فوقه يحتاج رعاية سياسية وثقافية تحمي الثروة الأخلاقية التي يمتلكها الأردنيون، فالخطر الحقيقي أن ننسى الجذور بعد انحسار الصدمة، أو أن نبدد عناصر القوة بالاكتفاء بالاحتفاء بها.
الدستور
تشير المعطيات الرسمية الأولية إلى خلفية تكفيرية للمنفذين، من دون حسم ارتباطهم التنظيمي بداعش، لكن ذلك يعيدنا إلى سؤال اشتغلنا عليه ميدانياً في مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية، في كتاب أصدرته مع الدكتور زيد عيادات عام 2022 بعنوان «الجهاديون الأردنيون وانهيار دولة داعش: ديناميكيات التطرف والإرهاب وسياسات المكافحة»، وهو سؤال مصير التيار بعد انهيار دولته في العراق وسورية، وهل تنتهي الظاهرة بانتهاء الكيان الذي منحها رمزية سياسية وأسطورة «الباقية»؟
خلصنا، من خلال مقابلات ودراسة مئات الحالات، إلى أنّ انهيار الدولة أصاب أنصار التنظيم بصدمة أيديولوجية وتنظيمية، لكنه لم يُنهِ الشبكات الاجتماعية ولا القناعات المتجذرة، فثمة فارق جوهري بين تفكيك تنظيم هرمي وإنهاء تيار متشظٍّ إلى أفراد ودوائر قرابة وصداقة ومجموعات صغيرة، يخضع كثير منها لضغط أمني شديد، ويتراجع حضورها العلني من دون أن تختفي بالضرورة قابليتها للتجدد، خصوصاً حين تتغذى من أزمات المنطقة ومشاعر المظلومية والإحباط.
الأهم أن قراءة حوادث الكرك عام 2016، وما تلاها من خلايا ومواجهات في مناطق أخرى، ينبغي ألّا تقتصر على التعامل مع كل واقعة بوصفها حدثاً منفصلاً، بل أن تبحث في الأنساب الاجتماعية والفكرية لهذه المجموعات، وصلات الأشخاص وتجاربهم ومسارات انتقال الأفكار بينهم، من دون افتراض روابط عملياتية لم تثبتها التحقيقات، فالجينالوجيا هنا أداة لفهم استمرار الظاهرة وتحولها، لا وسيلة لإطلاق أحكام مسبقة على حادثة بعينها.
يبرز في هذا السياق سؤال السجون، الذي وضعناه في صلب توصيات الدراسة، إذ خرج خلال السنوات الماضية محكومون في قضايا مرتبطة بالتطرف، بعضهم دخل السجن متعاطفاً أو متأثراً بخطاب التنظيم أكثر مما كان منخرطاً في نشاطه، فهل شكّلت سنوات العقوبة فرصة للمراجعة والاندماج، أم عزز الاختلاط داخل مهاجع التيار هوياتهم المتشددة؟ لا يكفي وجود برامج وعظية داخل السجون ما لم تقترن بتقييم مستقل لفاعليتها، وسياسات تميّز بين مستويات الخطورة، ومتابعة اجتماعية ونفسية ومهنية بعد الإفراج، تمنح الأفراد مخارج فعلية من تلك الدوائر.
أما الوجه الآخر للمشهد، فهو الاجتماع السياسي الأردني الذي واجه الجريمة بإجماع لافت، من الملك ومؤسسات الدولة إلى القوى السياسية والاجتماعية، ومن الإسلاميين إلى اليساريين والعلمانيين، بما يتجاوز الانقسامات المعتادة، وهذه ليست مجرد هبّة عاطفية، بل تعبير عن رأس مال اجتماعي ورمزي تراكم تاريخياً، ظهر في مواجهة تفجيرات عمّان عام 2005 وغيرها من الاعتداءات، حين يصبح أمن المجتمع وحق أبنائه في الحياة والعبادة خطاً جامعاً لا مادة للاستقطاب.
تنبع قيمة هذا الرصيد من خصوصية التجربة الأردنية، فالنظام السياسي الأردني، تاريخياً، ليس نظاماً دموياً، وهذه ليست مسألة عابرة في قراءة طبيعة الدولة الأردنية وتاريخها السياسي، إذ بالرغم من الهزات الإقليمية العنيفة التي عصفت بالمنطقة، والانقلابات العسكرية والصراعات الدموية التي شهدتها دول الجوار، والأزمات الداخلية والخارجية التي واجهها الأردن على امتداد عقود، بقيت هناك قيمة مركزية راسخة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، تتمثل في اعتبار الدم الأردني خطاً أحمر، وفي تجنّب الانزلاق إلى العنف الدموي بوصفه أداة لإدارة الخلافات السياسية والاجتماعية، ولا يعني ذلك إنكار ما شهده التاريخ الأردني من صدامات وأزمات مؤلمة، وإنما إدراك أن تجنّب إراقة الدماء ظلّ قيمة سياسية وأخلاقية حاضرة في تصور النظام لنفسه وفي الوعي الجمعي للأردنيين، وهي قيمة لم ينفرد النظام بصناعتها، بل تشارك المجتمع معه في ترسيخها وحمايتها، حتى أصبحت جزءاً من الرأسمال الاجتماعي والرمزي للدولة الأردنية، ومن الخصوصية التاريخية للتجربة الأردنية، ومصدراً مهماً من مصادر شرعيتها واستقرارها، ولذلك فإنّ أي اعتداء على هذه القيمة لا يمسّ الأمن العام وحده، بل يصيب أحد المرتكزات العميقة للعقد الاجتماعي الأردني.
تكشف الكرك، إذن، معادلة تستحق أن تصبح أساساً لنقاش وطني جاد، ما تحت الرماد يحتاج معرفة دقيقة وسياسات وقاية وتأهيل تتجاوز الاستجابة الأمنية وحدها، وما فوقه يحتاج رعاية سياسية وثقافية تحمي الثروة الأخلاقية التي يمتلكها الأردنيون، فالخطر الحقيقي أن ننسى الجذور بعد انحسار الصدمة، أو أن نبدد عناصر القوة بالاكتفاء بالاحتفاء بها.
الدستور
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...