هذه الرسالة .. حتى لا تضيع البوصلة


الكاتب : محمد أبو رمان

كشف المشهد الذي تلا جريمة الكرك النكراء، التي استهدفت المشيّعين في كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود، عن معدنٍ أصيلٍ لدى الأردنيين، وعن حضورٍ قويٍّ لرأس المال الاجتماعي والرمزي، من بيوت العزاء التي فُتحت في الكرك وعمّان وإربد وغيرها، إلى المواقف الرسمية والشعبية التي التقت جميعها على إدانة الإرهاب ورفض الفتنة، وأكّد أنّ الجسم العام الكبير، بل الضخم، في المجتمع الأردني جسمٌ معتدلٌ منفتح يرفض التطرف والإرهاب ويلفظهما.

من هنا، ليس من الإنصاف أن نتعامل مع بعض النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تذهب في اتجاهاتٍ متطرفة هنا أو هناك، وكأنّها تعكس الرأي العام الأردني أو تمثّل المجتمع بكل فئاته وألوانه، فهذا حكمٌ ظالم، وهذه النقاشات تظلم المجتمع نفسه، وتختزل صورته الحقيقية في أصواتٍ عالية، لكنها ليست الأكثر تمثيلاً.

لعلّ من أهم ما ينبغي التوقف عنده، وألّا نهدره في سجالاتٍ جانبية، وقوف النائبة ديمة طهبوب، وهي وجهٌ معروف في المعارضة الإسلامية، في بيت العزاء، برفقة عددٍ من النائبات والنواب المرتبطين بالتيار الإسلامي، لتلقي خطاباً مهماً ومميزاً بلغة مواطنةٍ حديثة: تحدّثت عن الشهداء، ودانت الإرهاب والتطرف، وأكّدت على الأخوّة الإنسانية والمواطنة، لأنّ صدور هذا الخطاب من هذا الموقع تحديداً له دلالته ورمزيته، ومن الخطأ أن يضيع في زحمة الاستقطاب وضجيج السجالات.

هذا هو المنطق السائد الذي يمثّل الأردن الذي نريد، أمّا البديل فلغةٌ تبدأ باستفزازاتٍ متبادلة؛ فعلٌ يستدعي ردّ فعل، حتى يبتعد النقاش برمّته عن النموذج المحترم الذي قدّمه الأردن في مواجهة التطرف وتأكيد خط الاعتدال، فالمبالغة في ردّ الفعل، وهذه المتوالية من الاستفزاز والاستفزاز المضاد، لا تؤدي إلى خير، ولا تخدم أحداً، بل تعيد تشويه الصورة الناصعة التي قدّمها الأردنيون بعد الجريمة.

مهما كانت خلافاتنا السياسية والفكرية، من الضروري أن نميّز بين المحرّمات والمباحات.. إنّ المحرّم في الخطاب الوطني هو الدم، والعِرض، والاغتيال المعنوي، والإقصاء والتهميش، فيما يتسع المباح إلى الاختلاف في الرأي؛ المعارضة تختلف مع الحكومة تحت قبة البرلمان، وأنا وأنت نختلف في المقال الصحفي، أمّا تحويل الاختلافات السياسية والفكرية إلى خلافاتٍ عقائدية وتخوينٍ متبادل فهو بداية الطريق إلى التطرف من الجهات كلّها، وإلى الثقافة الإقصائية.

على أيّ حال، التحديث السياسي هو أنجع سلاحٍ في مواجهة التطرف والإرهاب، لا نقول ذلك اعتباطاً، بل استناداً إلى الدراسات الميدانية؛ ففي «سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن» (الكتاب الذي نشرته مع الدكتور موسى شتيوي قبل قرابة عقد من الزمن) تبيّن أنّ كثيراً من الحالات هي لطلبة الجامعات وبعضهم من حملة الدراسات العليا، وأنّ أغلبهم يعملون ولا يعانون من البطالة، ثم أكّدت دراستنا اللاحقة الحضور الكثيف لطلاب الجامعات والمتعلمين، بمعنى أننا أمام شبابٍ متعلمين، كثيرٌ منهم من الطبقة الوسطى.

ما نحتاجه هو مسارٌ بديل لهؤلاء الشباب، بخاصة في الجامعات: إدماجهم في صناعة القرار، وتعزيز اتحادات الطلبة وأندية الحوار والفكر، وأحزابٍ تعقلن النقاش حول البطالة والفقر والتنمية، فمن السهل استقطاب شخصٍ يقوم تفكيره على العاطفة والانفعال، ومن الصعب استقطاب من تعوّد على المحاججة والتفكير النقدي، لكن إذا بقي المجال العام محدوداً وغير محفّز للحوار الحرّ والعمل العام المنفتح، عندئذٍ سيبحث الشباب عن مخرجٍ في المخدرات أو في الجماعات التي تعبّئهم عاطفياً.

الأمر كذلك في المناهج، التي شهدت تطوراً كبيراً خلال العقد الأخير، منذ تأسيس المركز الوطني لتطوير المناهج، وما تزال تخضع للمراجعة والتحسين. لكنّ المشكلة اليوم في «المنهج الخفي»؛ فيمن لا يقبلون التعددية ولا يستطيعون نقل قيم الحوار والتسامح إلى الطلبة،. لدينا كتابٌ للصف الحادي عشر عن الثقافة الديمقراطية، لكن إذا لم يقتنع المعلم نفسه بها، فكيف سيقنع طلابه وطالباته؟ وكذلك إذا تعاملت المؤسسة التربوية مع هذا الكتاب بوصفه أمراً ثانوياً لا رئيسياً، المطلوب التركيز في المرحلة القادمة على بناء المهارات والقيم، لا التحفيظ والتبصيم.

ينسحب ذلك على الخطاب الديني؛ فمقاصد الشريعة قامت على حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي مقاصد تلتقي مع قيم الكرامة الإنسانية والعيش المشترك؛ فلماذا نجحت جماعاتٌ متشددة في إبراز قياداتٍ مؤثرة على مواقع التواصل، بينما يغيب حضورٌ موازٍ لعلماء المؤسسات الدينية؟ الناس تريد خطاباً له مصداقية، ويحظى بالثقة، ويُبنى على الكفاءة، وهنا ثمّة مساحةٌ كبيرة للعمل والاهتمام في المرحلة المقبلة.

دعونا نركّز على المفيد والنافع؛ على التنمية الاقتصادية - الاجتماعية والثقافية والسياسية، وعلى ما يخدم الجميع، لا على ما يضرّنا ولا ينفع أحداً. هذه هي الرسالة، وهذه هي البوصلة التي يجب ألّا تضيع.

الدستور




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :