البلديات وإدارة المدن .. سيطرة مباشرة أم تنفيذ لقرارات جهات أخرى؟
عمانيات - تتجاوز أزمة إدارة المدن في الأردن حدود ضعف الخدمات، وشح الموارد إلى خلل أعمق في بنية القرار الحضري، حيث تتوزع سلطة التخطيط، والتنفيذ، والتمويل بين مؤسسات متعددة، لتتحمل معها البلديات أمام المواطنين مسؤولية نتائج لا تملك صلاحية التحكم بأسبابها.
ويُظهر هذا التشتت المؤسسي، كما وصفه خبراء، مفارقة في إدارة التنمية الحضرية؛ فالمشاريع التي تنفذها جهة حكومية قد تقوض استثمارات أنجزتها جهة أخرى، والقرارات القطاعية التي تستجيب لأولويات منفردة قد تفرض أعباء إضافية على البنية التحتية.
وتزداد حدة المشكلة، وفق رؤية الخبراء، عندما تصبح المجالس البلدية، بوصفها واجهة المساءلة المحلية، مطالبة بمعالجة اختلالات تتجاوز صلاحياتها، في حين تتوزع المسؤولية الفعلية بين مؤسسات يصعب إخضاع قراراتها لأولويات المدينة، الأمر الذي يطرح تحديا جوهريا أمام إصلاح الإدارة المحلية.
وحدد الخبراء، في حديثهم لـ"الغد"، جوهر هذا التحدي في الانتقال من تعدد الجهات التي تدير قطاعات المدينة إلى منظومة متكاملة تربط سلطة اتخاذ القرار بمسؤولية تنفيذه والمحاسبة على نتائجه.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة مع دخول قانون الإدارة المحلية الجديد لعام 2026 حيز التنفيذ، واقتراب الانتخابات البلدية المرتقبة العام المقبل، إذ تعزز بعض أحكامه الدور الرقابي للمجالس البلدية على الأجهزة التنفيذية، وتعيد تنظيم العلاقة بينهما، من خلال ربط مرجعية المدير التنفيذي بالمجلس البلدي، بما يمنحه قدرة أكبر على متابعة تنفيذ قراراته ومساءلة المسؤولين عن الأداء.
تشتت الصلاحيات
لا تكمن المشكلة الأساسية في إدارة المدن الأردنية في غياب القوانين أو المؤسسات، وإنما في تشتت الصلاحيات بين جهات متعددة، تعمل كل منها وفق أولوياتها وخططها وموازناتها، دون وجود سلطة محلية واحدة مسؤولة عن إدارة المدينة باعتبارها منظومة متكاملة، وفق ما أكده الخبير في إدارة المدن المهندس فوزي مسعد.
وأكد مسعد أنه رغم التعديلات المتكررة على قوانين الإدارة المحلية، فإنها لن تحقق النتائج المطلوبة ما دامت المؤسسات الخدمية تعمل كجزر منفصلة، كما أن الاعتماد على التنسيق بينها لا يشكل حلا جذريا، في ظل اختلاف توجهاتها وإمكاناتها.
وطالب بإصلاح جذري يمنح البلدية المسؤولية والصلاحيات الكاملة لإدارة التنمية الحضرية ضمن حدودها، بما يمكنها من تحقيق أهداف جودة الحياة والاستدامة والتنافسية.
ولفت إلى أن التوسع العمراني لا يعني مجرد تنظيم الأراضي والسماح بالبناء، بل يتطلب توفير الطرق والنقل العام والمياه والصرف الصحي والطاقة والخدمات العامة بصورة متكاملة.
وأضاف أن حصر مسؤولية التخطيط العمراني لدى جهة واحدة، مع إسناد تخطيط الخدمات وتنفيذها إلى جهات أخرى، يجعل من الصعب ضمان توافق النمو العمراني مع قدرة البنية التحتية على استيعابه.
لذلك، شدد على ضرورة أن تكون للمدينة خطة حضرية شاملة وملزمة لجميع الجهات، ترتبط بها خططها الاستثمارية وموازناتها، حتى لا تستمر المدن في التوسع قبل توفير متطلبات هذا التوسع، وما يرافق ذلك من ارتفاع تكلفة الخدمات وتراجع جودتها.
واستند في رأيه إلى أن تكرار حفر الشوارع بعد تعبيدها لتمديد شبكات المياه والكهرباء والاتصالات وغيرها، يمثل أحد أبرز مظاهر غياب الإدارة المتكاملة للبنية التحتية، ويتسبب في هدر المال العام وتراجع جودة الطرق وإرباك الحركة المرورية.
وبيّن أن مدنا عديدة طورت أنظمة لإدارة المرافق تحت الأرض، وقواعد بيانات موحدة، وبرامج ملزمة لتنفيذ أعمال الخدمات والصيانة قبل تعبيد الشوارع.
ودعا إلى الاستفادة من هذه التجارب، ومنح البلدية سلطة تنظيم الحفريات وإقرار برامج تنفيذها، وإلزام جميع الجهات بالحصول على موافقتها والالتزام بمعايير إعادة التأهيل.
أصل حضري
وأشار مسعد إلى أن الشارع أصل حضري مشترك، وليس مرفقا تتصرف فيه كل جهة خدمية بمعزل عن الأخرى، كما أن بعض الجهات الحكومية قد تقر مشاريع داخل المدن بناء على احتياجات مختلفة، دون دراسة كافية لآثارها على النسيج العمراني وشبكات الطرق والنقل والخدمات والبيئة المحيطة.
وحذر من أن المشروع، رغم أهميته، قد يؤدي إلى تغيير طبيعة المنطقة، وخلق اختناقات مرورية، وزيادة الضغوط على البنية التحتية، أو التأثير سلبا في المساحات العامة والأنشطة الاقتصادية.
وبحسب مسعد، لا ينبغي أن تكون صفة المشروع الحكومية سببا لإعفائه من الالتزام بالمخطط الشمولي للمدينة، بل يجب أن تخضع جميع المشاريع لموافقة تخطيطية من البلدية، وتقييم شامل لآثارها الحضرية قبل إقرارها.
ولفت إلى أن قطاعات النقل والطاقة والمياه مترابطة بطبيعتها، وأن أي قرار يتعلق بأحدها قد يؤثر مباشرة في القطاعات الأخرى؛ فالتوسع العمراني المتباعد يزيد أطوال شبكات الخدمات وتكلفة تشغيلها، ويرفع الاعتماد على السيارات واستهلاك الطاقة.
وأضاف أن إنشاء الطرق دون ربطها بالنقل العام واستعمالات الأراضي قد يعالج الازدحام مؤقتا، لكنه يسهم في تفاقمه مستقبلا. لذلك، يجب تقييم المشاريع من منظور أثرها الشامل على المدينة، وليس فقط من منظور الجهة المنفذة، وأن تخضع القرارات القطاعية للخطة الحضرية المعتمدة.
وحث مسعد على اعتماد منظومة موحدة لإدارة الأصول الحضرية على مستوى المدينة، تتضمن قاعدة بيانات جغرافية متكاملة، وتقييما دوريا لحالة الأصول، وبرامج للصيانة الوقائية والتجديد، بما يحافظ على الاستثمارات ويخفض تكلفة التشغيل والصيانة على المدى الطويل.
ولعل أخطر نتائج تشتت الصلاحيات، كما لخصها مسعد، إضعاف المساءلة الديمقراطية؛ فالمواطن ينتخب مجلسا بلديا، ويتوقع منه تحسين الخدمات، لكنه يكتشف أن كثيرا من القرارات والموازنات تقع خارج صلاحياته، وعند حدوث التقصير تتبادل المؤسسات المسؤولية، فلا يعرف المواطن من يحاسب.
تعدد المرجعيات
وحمل رئيس بلدية سحاب السابق، الدكتور عباس المحارمة، تعدد المرجعيات الحكومية وتداخل اختصاصاتها مسؤولية إضعاف قدرة البلديات على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين، وخاصة في الملفات الخدمية التي تقع تبعاتها المباشرة على الإدارات المحلية، حتى عندما لا تكون صاحبة القرار أو الجهة المنفذة.
فالمشكلة، كما يصفها، لا تكمن في تعدد المؤسسات الحكومية بحد ذاته، وإنما في تحميل البلديات مسؤولية نتائج أعمال تنفذها تلك الجهات، دون أن تمتلك السيطرة الكافية على إجراءاتها أو القدرة على منع آثارها السلبية، ما ينعكس على ثقة المواطنين برؤساء المجالس البلدية.
ويستحضر المحارمة قطاع الطرق بوصفه أحد أكثر الأمثلة وضوحا على هذا الخلل؛ إذ قد تنجز البلدية أعمال تعبيد شارع وتأهيله لخدمة السكان، قبل أن تتدخل سلطة المياه أو الجهات التابعة لوزارة المياه لتنفيذ حفريات ومقاطع عرضية فيه.
وهذا الأمر، بحسبه، يضر بطبقات الأسفلت، ويجعل من الصعب إعادة الطريق إلى حالته السابقة، مهما بلغت الجهود المبذولة لإصلاحه، لكن المواطنين لا يميزون بين الجهة التي نفذت الحفريات والجهة المسؤولة عن إدارة الشارع، فيحمّلون رئيس البلدية مسؤولية تردي حالته.
ولا يقتصر أثر تداخل الاختصاصات، وفق قوله، على إلحاق الأضرار بالمشاريع الخدمية، بل يمتد إلى إسناد مسؤوليات إضافية للبلديات تتجاوز إمكاناتها المالية والفنية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بطريق نافذة تخدم حركة النقل خارج نطاق المدن.
ويبرز في هذا السياق الطريق المعروف بشارع الستين، الذي يمتد باتجاه الموقر والأزرق، ويرتبط بشبكة الطرق المؤدية إلى السعودية والعراق. ويوضح المحارمة أن الطرق النافذة تقع في الغالب ضمن اختصاص وزارة الأشغال العامة والإسكان، لكن مسؤولية الجزء الممتد من منطقة صوامع الحبوب باتجاه مدينة سحاب أُسندت إلى البلدية.
غياب الاستقلالية
ويربط المحارمة هذه الاختلالات بغياب الاستقلالية الحقيقية لرئيس البلدية، الذي يجد نفسه مطالبا بتحسين مستوى الخدمات والاستجابة لشكاوى السكان، بينما تتدخل جهات حكومية أخرى في إدارة ملفات تؤثر مباشرة في أدائه، دون أن يمتلك سلطة كاملة على القرارات المتعلقة بها.
وفي هذا السياق، يرى أن قانون الإدارة المحلية الجديد حدّ من سلطة المجالس البلدية، وإن كانت بعض التعديلات قد أعادت قدرا من التوازن إلى العلاقة بين المجالس والأجهزة التنفيذية، وتحديدا من خلال جعل المدير التنفيذي مرجعا للمجلس البلدي، ما يتيح للأخير اتخاذ الإجراءات الرقابية عند وجود قصور في الأداء.
فالرقابة على المديريات والأقسام التنفيذية، وفق رؤيته، ليست مهمة إدارية هامشية، بل إحدى الوظائف الأساسية للمجلس البلدي، الذي يتولى متابعة تنفيذ القرارات الصادرة عنه، والتأكد من التزام الأجهزة التنفيذية بأداء واجباتها.
ومن هنا، يستغرب المحارمة التوجه الذي كان يستهدف إضعاف هذه الصلاحية، وربط الرقابة على المديرين التنفيذيين بالوزير، في وقت تتوزع فيه مسؤولية الإدارة التنفيذية على نحو 105 مديرين في البلديات، لتصبح متابعتهم بصورة مباشرة من قبل وزير الإدارة المحلية أمرا غير منطقي، بالنظر إلى حجم المسؤوليات والمهام الأخرى الملقاة على عاتقه.
ولفت إلى أن وجود رئيس البلدية داخل المؤسسة المحلية يجعله أكثر قدرة على متابعة أداء المدير التنفيذي والأقسام المختلفة، ورصد أوجه القصور والتدخل لمعالجتها، مقارنة بمرجعية مركزية تتولى الإشراف على عشرات البلديات في مختلف مناطق المملكة.
عامل الحسم
وتبقى كفاءة القيادات التي تفرزها الانتخابات البلدية، في تقدير المحارمة، عاملا حاسما في تحديد قدرة المجالس على ممارسة صلاحياتها؛ لأن وجود رئيس مؤهل ومدرك لطبيعة العمل التنفيذي يتيح متابعة الأداء ومحاسبة المقصرين.
ولا يرى أن فرص البلديات في الحصول على المنح والدعم الحكومي ترتبط دائما بمستوى أدائها أو إنجازها المؤسسي، إذ قد تؤدي العلاقات الشخصية والاعتبارات غير المرتبطة بالكفاءة دورا مؤثرا في توجيه الموارد إلى بلديات دون غيرها.
وتنعكس هذه الممارسات، بحسب تقديره، على قيمة العمل الابتكاري داخل المؤسسات المحلية، عندما لا تجد البلديات التي تستثمر في تطوير أدائها وتحسين خدماتها انعكاسا واضحا لهذه الجهود على فرص حصولها على الدعم.
وتظهر محدودية سلطة البلديات، كما ذكر، بصورة أكثر وضوحا عندما تواجه المدن مشكلات تقع مسؤولية معالجتها على مؤسسات حكومية مركزية؛ إذ تستطيع الإدارة المحلية الاعتراض والمطالبة بالتدخل، لكنها لا تمتلك الأدوات التنفيذية التي تضمن الاستجابة لمطالبها.
وتقدم مدينة سحاب مثالا على هذه الإشكالية، في ظل ما وصفه المحارمة بمستويات غير طبيعية من التلوث البيئي، دفعت البلدية إلى تكرار الاعتراضات والمطالبات بمعالجة الأوضاع القائمة، دون أن يقترن ذلك بقيام الجهات التنفيذية المختصة بواجباتها على الوجه المطلوب.
وقدرة البلدية على إثارة المشكلة، من وجهة نظره، لا تعني امتلاكها سلطة إلزام المؤسسات المعنية باتخاذ الإجراءات اللازمة، خصوصا عندما تكون أدوات الرقابة والتنفيذ خارج نطاق اختصاصها المباشر.
ولهذا يمنح الدور الرقابي لمجلس النواب أهمية خاصة في التعامل مع القضايا التي تتجاوز صلاحيات البلديات، باعتباره الجهة التي تستطيع مساءلة الوزراء ومتابعة أداء المؤسسات الحكومية المعنية.
ويمكن أن تسهم العلاقة بين رؤساء البلديات ونواب مناطقهم في نقل القضايا المحلية إلى مستوى المساءلة البرلمانية، واستخدام الأدوات الرقابية لمتابعة الملفات التي تعجز البلديات عن معالجتها بصورة مباشرة، وفقا له.
الغد
ويُظهر هذا التشتت المؤسسي، كما وصفه خبراء، مفارقة في إدارة التنمية الحضرية؛ فالمشاريع التي تنفذها جهة حكومية قد تقوض استثمارات أنجزتها جهة أخرى، والقرارات القطاعية التي تستجيب لأولويات منفردة قد تفرض أعباء إضافية على البنية التحتية.
وتزداد حدة المشكلة، وفق رؤية الخبراء، عندما تصبح المجالس البلدية، بوصفها واجهة المساءلة المحلية، مطالبة بمعالجة اختلالات تتجاوز صلاحياتها، في حين تتوزع المسؤولية الفعلية بين مؤسسات يصعب إخضاع قراراتها لأولويات المدينة، الأمر الذي يطرح تحديا جوهريا أمام إصلاح الإدارة المحلية.
وحدد الخبراء، في حديثهم لـ"الغد"، جوهر هذا التحدي في الانتقال من تعدد الجهات التي تدير قطاعات المدينة إلى منظومة متكاملة تربط سلطة اتخاذ القرار بمسؤولية تنفيذه والمحاسبة على نتائجه.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة مع دخول قانون الإدارة المحلية الجديد لعام 2026 حيز التنفيذ، واقتراب الانتخابات البلدية المرتقبة العام المقبل، إذ تعزز بعض أحكامه الدور الرقابي للمجالس البلدية على الأجهزة التنفيذية، وتعيد تنظيم العلاقة بينهما، من خلال ربط مرجعية المدير التنفيذي بالمجلس البلدي، بما يمنحه قدرة أكبر على متابعة تنفيذ قراراته ومساءلة المسؤولين عن الأداء.
تشتت الصلاحيات
لا تكمن المشكلة الأساسية في إدارة المدن الأردنية في غياب القوانين أو المؤسسات، وإنما في تشتت الصلاحيات بين جهات متعددة، تعمل كل منها وفق أولوياتها وخططها وموازناتها، دون وجود سلطة محلية واحدة مسؤولة عن إدارة المدينة باعتبارها منظومة متكاملة، وفق ما أكده الخبير في إدارة المدن المهندس فوزي مسعد.
وأكد مسعد أنه رغم التعديلات المتكررة على قوانين الإدارة المحلية، فإنها لن تحقق النتائج المطلوبة ما دامت المؤسسات الخدمية تعمل كجزر منفصلة، كما أن الاعتماد على التنسيق بينها لا يشكل حلا جذريا، في ظل اختلاف توجهاتها وإمكاناتها.
وطالب بإصلاح جذري يمنح البلدية المسؤولية والصلاحيات الكاملة لإدارة التنمية الحضرية ضمن حدودها، بما يمكنها من تحقيق أهداف جودة الحياة والاستدامة والتنافسية.
ولفت إلى أن التوسع العمراني لا يعني مجرد تنظيم الأراضي والسماح بالبناء، بل يتطلب توفير الطرق والنقل العام والمياه والصرف الصحي والطاقة والخدمات العامة بصورة متكاملة.
وأضاف أن حصر مسؤولية التخطيط العمراني لدى جهة واحدة، مع إسناد تخطيط الخدمات وتنفيذها إلى جهات أخرى، يجعل من الصعب ضمان توافق النمو العمراني مع قدرة البنية التحتية على استيعابه.
لذلك، شدد على ضرورة أن تكون للمدينة خطة حضرية شاملة وملزمة لجميع الجهات، ترتبط بها خططها الاستثمارية وموازناتها، حتى لا تستمر المدن في التوسع قبل توفير متطلبات هذا التوسع، وما يرافق ذلك من ارتفاع تكلفة الخدمات وتراجع جودتها.
واستند في رأيه إلى أن تكرار حفر الشوارع بعد تعبيدها لتمديد شبكات المياه والكهرباء والاتصالات وغيرها، يمثل أحد أبرز مظاهر غياب الإدارة المتكاملة للبنية التحتية، ويتسبب في هدر المال العام وتراجع جودة الطرق وإرباك الحركة المرورية.
وبيّن أن مدنا عديدة طورت أنظمة لإدارة المرافق تحت الأرض، وقواعد بيانات موحدة، وبرامج ملزمة لتنفيذ أعمال الخدمات والصيانة قبل تعبيد الشوارع.
ودعا إلى الاستفادة من هذه التجارب، ومنح البلدية سلطة تنظيم الحفريات وإقرار برامج تنفيذها، وإلزام جميع الجهات بالحصول على موافقتها والالتزام بمعايير إعادة التأهيل.
أصل حضري
وأشار مسعد إلى أن الشارع أصل حضري مشترك، وليس مرفقا تتصرف فيه كل جهة خدمية بمعزل عن الأخرى، كما أن بعض الجهات الحكومية قد تقر مشاريع داخل المدن بناء على احتياجات مختلفة، دون دراسة كافية لآثارها على النسيج العمراني وشبكات الطرق والنقل والخدمات والبيئة المحيطة.
وحذر من أن المشروع، رغم أهميته، قد يؤدي إلى تغيير طبيعة المنطقة، وخلق اختناقات مرورية، وزيادة الضغوط على البنية التحتية، أو التأثير سلبا في المساحات العامة والأنشطة الاقتصادية.
وبحسب مسعد، لا ينبغي أن تكون صفة المشروع الحكومية سببا لإعفائه من الالتزام بالمخطط الشمولي للمدينة، بل يجب أن تخضع جميع المشاريع لموافقة تخطيطية من البلدية، وتقييم شامل لآثارها الحضرية قبل إقرارها.
ولفت إلى أن قطاعات النقل والطاقة والمياه مترابطة بطبيعتها، وأن أي قرار يتعلق بأحدها قد يؤثر مباشرة في القطاعات الأخرى؛ فالتوسع العمراني المتباعد يزيد أطوال شبكات الخدمات وتكلفة تشغيلها، ويرفع الاعتماد على السيارات واستهلاك الطاقة.
وأضاف أن إنشاء الطرق دون ربطها بالنقل العام واستعمالات الأراضي قد يعالج الازدحام مؤقتا، لكنه يسهم في تفاقمه مستقبلا. لذلك، يجب تقييم المشاريع من منظور أثرها الشامل على المدينة، وليس فقط من منظور الجهة المنفذة، وأن تخضع القرارات القطاعية للخطة الحضرية المعتمدة.
وحث مسعد على اعتماد منظومة موحدة لإدارة الأصول الحضرية على مستوى المدينة، تتضمن قاعدة بيانات جغرافية متكاملة، وتقييما دوريا لحالة الأصول، وبرامج للصيانة الوقائية والتجديد، بما يحافظ على الاستثمارات ويخفض تكلفة التشغيل والصيانة على المدى الطويل.
ولعل أخطر نتائج تشتت الصلاحيات، كما لخصها مسعد، إضعاف المساءلة الديمقراطية؛ فالمواطن ينتخب مجلسا بلديا، ويتوقع منه تحسين الخدمات، لكنه يكتشف أن كثيرا من القرارات والموازنات تقع خارج صلاحياته، وعند حدوث التقصير تتبادل المؤسسات المسؤولية، فلا يعرف المواطن من يحاسب.
تعدد المرجعيات
وحمل رئيس بلدية سحاب السابق، الدكتور عباس المحارمة، تعدد المرجعيات الحكومية وتداخل اختصاصاتها مسؤولية إضعاف قدرة البلديات على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين، وخاصة في الملفات الخدمية التي تقع تبعاتها المباشرة على الإدارات المحلية، حتى عندما لا تكون صاحبة القرار أو الجهة المنفذة.
فالمشكلة، كما يصفها، لا تكمن في تعدد المؤسسات الحكومية بحد ذاته، وإنما في تحميل البلديات مسؤولية نتائج أعمال تنفذها تلك الجهات، دون أن تمتلك السيطرة الكافية على إجراءاتها أو القدرة على منع آثارها السلبية، ما ينعكس على ثقة المواطنين برؤساء المجالس البلدية.
ويستحضر المحارمة قطاع الطرق بوصفه أحد أكثر الأمثلة وضوحا على هذا الخلل؛ إذ قد تنجز البلدية أعمال تعبيد شارع وتأهيله لخدمة السكان، قبل أن تتدخل سلطة المياه أو الجهات التابعة لوزارة المياه لتنفيذ حفريات ومقاطع عرضية فيه.
وهذا الأمر، بحسبه، يضر بطبقات الأسفلت، ويجعل من الصعب إعادة الطريق إلى حالته السابقة، مهما بلغت الجهود المبذولة لإصلاحه، لكن المواطنين لا يميزون بين الجهة التي نفذت الحفريات والجهة المسؤولة عن إدارة الشارع، فيحمّلون رئيس البلدية مسؤولية تردي حالته.
ولا يقتصر أثر تداخل الاختصاصات، وفق قوله، على إلحاق الأضرار بالمشاريع الخدمية، بل يمتد إلى إسناد مسؤوليات إضافية للبلديات تتجاوز إمكاناتها المالية والفنية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بطريق نافذة تخدم حركة النقل خارج نطاق المدن.
ويبرز في هذا السياق الطريق المعروف بشارع الستين، الذي يمتد باتجاه الموقر والأزرق، ويرتبط بشبكة الطرق المؤدية إلى السعودية والعراق. ويوضح المحارمة أن الطرق النافذة تقع في الغالب ضمن اختصاص وزارة الأشغال العامة والإسكان، لكن مسؤولية الجزء الممتد من منطقة صوامع الحبوب باتجاه مدينة سحاب أُسندت إلى البلدية.
غياب الاستقلالية
ويربط المحارمة هذه الاختلالات بغياب الاستقلالية الحقيقية لرئيس البلدية، الذي يجد نفسه مطالبا بتحسين مستوى الخدمات والاستجابة لشكاوى السكان، بينما تتدخل جهات حكومية أخرى في إدارة ملفات تؤثر مباشرة في أدائه، دون أن يمتلك سلطة كاملة على القرارات المتعلقة بها.
وفي هذا السياق، يرى أن قانون الإدارة المحلية الجديد حدّ من سلطة المجالس البلدية، وإن كانت بعض التعديلات قد أعادت قدرا من التوازن إلى العلاقة بين المجالس والأجهزة التنفيذية، وتحديدا من خلال جعل المدير التنفيذي مرجعا للمجلس البلدي، ما يتيح للأخير اتخاذ الإجراءات الرقابية عند وجود قصور في الأداء.
فالرقابة على المديريات والأقسام التنفيذية، وفق رؤيته، ليست مهمة إدارية هامشية، بل إحدى الوظائف الأساسية للمجلس البلدي، الذي يتولى متابعة تنفيذ القرارات الصادرة عنه، والتأكد من التزام الأجهزة التنفيذية بأداء واجباتها.
ومن هنا، يستغرب المحارمة التوجه الذي كان يستهدف إضعاف هذه الصلاحية، وربط الرقابة على المديرين التنفيذيين بالوزير، في وقت تتوزع فيه مسؤولية الإدارة التنفيذية على نحو 105 مديرين في البلديات، لتصبح متابعتهم بصورة مباشرة من قبل وزير الإدارة المحلية أمرا غير منطقي، بالنظر إلى حجم المسؤوليات والمهام الأخرى الملقاة على عاتقه.
ولفت إلى أن وجود رئيس البلدية داخل المؤسسة المحلية يجعله أكثر قدرة على متابعة أداء المدير التنفيذي والأقسام المختلفة، ورصد أوجه القصور والتدخل لمعالجتها، مقارنة بمرجعية مركزية تتولى الإشراف على عشرات البلديات في مختلف مناطق المملكة.
عامل الحسم
وتبقى كفاءة القيادات التي تفرزها الانتخابات البلدية، في تقدير المحارمة، عاملا حاسما في تحديد قدرة المجالس على ممارسة صلاحياتها؛ لأن وجود رئيس مؤهل ومدرك لطبيعة العمل التنفيذي يتيح متابعة الأداء ومحاسبة المقصرين.
ولا يرى أن فرص البلديات في الحصول على المنح والدعم الحكومي ترتبط دائما بمستوى أدائها أو إنجازها المؤسسي، إذ قد تؤدي العلاقات الشخصية والاعتبارات غير المرتبطة بالكفاءة دورا مؤثرا في توجيه الموارد إلى بلديات دون غيرها.
وتنعكس هذه الممارسات، بحسب تقديره، على قيمة العمل الابتكاري داخل المؤسسات المحلية، عندما لا تجد البلديات التي تستثمر في تطوير أدائها وتحسين خدماتها انعكاسا واضحا لهذه الجهود على فرص حصولها على الدعم.
وتظهر محدودية سلطة البلديات، كما ذكر، بصورة أكثر وضوحا عندما تواجه المدن مشكلات تقع مسؤولية معالجتها على مؤسسات حكومية مركزية؛ إذ تستطيع الإدارة المحلية الاعتراض والمطالبة بالتدخل، لكنها لا تمتلك الأدوات التنفيذية التي تضمن الاستجابة لمطالبها.
وتقدم مدينة سحاب مثالا على هذه الإشكالية، في ظل ما وصفه المحارمة بمستويات غير طبيعية من التلوث البيئي، دفعت البلدية إلى تكرار الاعتراضات والمطالبات بمعالجة الأوضاع القائمة، دون أن يقترن ذلك بقيام الجهات التنفيذية المختصة بواجباتها على الوجه المطلوب.
وقدرة البلدية على إثارة المشكلة، من وجهة نظره، لا تعني امتلاكها سلطة إلزام المؤسسات المعنية باتخاذ الإجراءات اللازمة، خصوصا عندما تكون أدوات الرقابة والتنفيذ خارج نطاق اختصاصها المباشر.
ولهذا يمنح الدور الرقابي لمجلس النواب أهمية خاصة في التعامل مع القضايا التي تتجاوز صلاحيات البلديات، باعتباره الجهة التي تستطيع مساءلة الوزراء ومتابعة أداء المؤسسات الحكومية المعنية.
ويمكن أن تسهم العلاقة بين رؤساء البلديات ونواب مناطقهم في نقل القضايا المحلية إلى مستوى المساءلة البرلمانية، واستخدام الأدوات الرقابية لمتابعة الملفات التي تعجز البلديات عن معالجتها بصورة مباشرة، وفقا له.
الغد
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...