قامت مجموعة من الباحثين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بنشر دراسة لافتة في محاولة لفهم الثمن المعرفي الذي تدفعه البشرية نتيجة الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات والأثر المحتمل لذلك على قدرات الدماغ في المستقبل.
فقد قسّم الباحثون أربعة وخمسين طالبًا جامعيًا، تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين، إلى ثلاث مجموعات طلب منها كتابة مقالات، الأولى بالاستعانة بأحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي والثانية بمساعدة محرك البحث «غوغل»، أما الثالثة فقد اعتمدت على تفكيرها الذاتي دون معونة خارجية، وقام الباحثون بدراسة نشاط أدمغة المشاركين في التجربة بواسطة تخطيط كهربة الدماغ.
جاءت نتائج الدراسة لافتة، فقد سجلت المجموعة التي اعتمدت على الذكاء الاصطناعي أدنى مستوى من النشاط الدماغي بين المجموعات الثلاث، وتشابهت مقالاتها في الأفكار والعبارات حتى كادت تخرج من قالب واحد. والأخطر أن كثيرًا من أفرادها عجزوا عن استذكار ما كتبوه قبل دقائق، وكأنّ النص قد مرّ بهم دون أن يلحظوه. ومع تكرار الجلسات، صار بعضهم يكتفي بإصدار التعليمات للأداة ويترك لها إتمام المهمة كاملة. وحين طلب منهم في الجلسة الأخيرة الكتابة دون مساعدة، بدت أدمغتهم أقل نشاطًا من أدمغة من اعتادوا التفكير والاعتماد على أنفسهم منذ البداية.
أطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم «الدين المعرفي»، تتمثل براحة نقترضها اليوم، ونسدد فوائدها لاحقًا من قدرتنا على التفكير والتذكر. ولا يبدو هذا غريبًا على من يعرف الدماغ عن قرب، فالدماغ عضو يتشكّل بما نطلبه منه؛ فقد أظهرت دراسة شهيرة سابقة أن سائقي سيارات الأجرة في لندن، الذين يطلب منهم حفظ شبكة معقدة من شوارع المدينة قبل منحهم رخصة القيادة، يملكون حُصينًا- جزء من الدماغ مسؤول عن الذاكرة المكانية- أكبر حجمًا من المتوسط. فإذا كان الدماغ ينمو بالممارسة، فمن المنطقي أن يتراخى ويضمر نتيجة ما يوكل إلى غيره من واجبات.
لا شك أنه من المبكر أن نقوم بتعميم نتائج هذه الدراسة فالعينة صغيرة، ولم يُكمل الجلسة الأخيرة سوى ثمانية عشر مشاركًا، كما أن الدراسة نُشرت قبل أن تخضع للتحكيم العلمي، ناهيك عن أن تخطيط الدماغ يرصد أنماط الاتصال العصبي، لكنه لا يقيس مستوى الذكاء ولا يتنبأ بتراجعه، وهذه كلها أسباب تدعو للحذر من التعميم، لا لتجاهل النتائج.
كما لفت نظري أن المشاركين الذين بدأوا بالكتابة اعتمادًا على أنفسهم، ثم استخدموا الأداة في الجلسة الأخيرة، أظهروا نشاطًا دماغيًا أعلى من أقرانهم، أي أن المشكلة ليست في الأداة ذاتها، بل في توقيت استخدامها وموقعها من عملية التفكير، فمن يفكر أولًا ثم يستشير، يوظّف الأداة لتوسيع فكرته؛ ومن يستشير قبل أن يفكّر، يسلّمها الفكرة كلها.
وهذا الدرس الذي يعنينا كأطباء بقدر ما يعني المعلمين والطلبة، فطالب الطب الذي يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي طلبًا للتشخيص قبل أن يفحص المريض ويبني فرضياته، قد يحصل على إجابة صحيحة، لكنه يخسر المهارة التي تجعله طبيبًا «حكيمًا» حين تخطئ الأداة. ففي زمن يتسارع فيه تبني هذه التقنيات، يبدو السؤال الأجدر بالنقاش ليس: هل نسمح باستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم؟ بل: متى، وكيف، وبعد أي قدر من التفكير الذاتي؟
الغد
فقد قسّم الباحثون أربعة وخمسين طالبًا جامعيًا، تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين، إلى ثلاث مجموعات طلب منها كتابة مقالات، الأولى بالاستعانة بأحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي والثانية بمساعدة محرك البحث «غوغل»، أما الثالثة فقد اعتمدت على تفكيرها الذاتي دون معونة خارجية، وقام الباحثون بدراسة نشاط أدمغة المشاركين في التجربة بواسطة تخطيط كهربة الدماغ.
جاءت نتائج الدراسة لافتة، فقد سجلت المجموعة التي اعتمدت على الذكاء الاصطناعي أدنى مستوى من النشاط الدماغي بين المجموعات الثلاث، وتشابهت مقالاتها في الأفكار والعبارات حتى كادت تخرج من قالب واحد. والأخطر أن كثيرًا من أفرادها عجزوا عن استذكار ما كتبوه قبل دقائق، وكأنّ النص قد مرّ بهم دون أن يلحظوه. ومع تكرار الجلسات، صار بعضهم يكتفي بإصدار التعليمات للأداة ويترك لها إتمام المهمة كاملة. وحين طلب منهم في الجلسة الأخيرة الكتابة دون مساعدة، بدت أدمغتهم أقل نشاطًا من أدمغة من اعتادوا التفكير والاعتماد على أنفسهم منذ البداية.
أطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم «الدين المعرفي»، تتمثل براحة نقترضها اليوم، ونسدد فوائدها لاحقًا من قدرتنا على التفكير والتذكر. ولا يبدو هذا غريبًا على من يعرف الدماغ عن قرب، فالدماغ عضو يتشكّل بما نطلبه منه؛ فقد أظهرت دراسة شهيرة سابقة أن سائقي سيارات الأجرة في لندن، الذين يطلب منهم حفظ شبكة معقدة من شوارع المدينة قبل منحهم رخصة القيادة، يملكون حُصينًا- جزء من الدماغ مسؤول عن الذاكرة المكانية- أكبر حجمًا من المتوسط. فإذا كان الدماغ ينمو بالممارسة، فمن المنطقي أن يتراخى ويضمر نتيجة ما يوكل إلى غيره من واجبات.
لا شك أنه من المبكر أن نقوم بتعميم نتائج هذه الدراسة فالعينة صغيرة، ولم يُكمل الجلسة الأخيرة سوى ثمانية عشر مشاركًا، كما أن الدراسة نُشرت قبل أن تخضع للتحكيم العلمي، ناهيك عن أن تخطيط الدماغ يرصد أنماط الاتصال العصبي، لكنه لا يقيس مستوى الذكاء ولا يتنبأ بتراجعه، وهذه كلها أسباب تدعو للحذر من التعميم، لا لتجاهل النتائج.
كما لفت نظري أن المشاركين الذين بدأوا بالكتابة اعتمادًا على أنفسهم، ثم استخدموا الأداة في الجلسة الأخيرة، أظهروا نشاطًا دماغيًا أعلى من أقرانهم، أي أن المشكلة ليست في الأداة ذاتها، بل في توقيت استخدامها وموقعها من عملية التفكير، فمن يفكر أولًا ثم يستشير، يوظّف الأداة لتوسيع فكرته؛ ومن يستشير قبل أن يفكّر، يسلّمها الفكرة كلها.
وهذا الدرس الذي يعنينا كأطباء بقدر ما يعني المعلمين والطلبة، فطالب الطب الذي يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي طلبًا للتشخيص قبل أن يفحص المريض ويبني فرضياته، قد يحصل على إجابة صحيحة، لكنه يخسر المهارة التي تجعله طبيبًا «حكيمًا» حين تخطئ الأداة. ففي زمن يتسارع فيه تبني هذه التقنيات، يبدو السؤال الأجدر بالنقاش ليس: هل نسمح باستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم؟ بل: متى، وكيف، وبعد أي قدر من التفكير الذاتي؟
الغد
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...