التحول الذي يريده الملك


الكاتب : مكرم أحمد الطراونة

عبّر خطاب جلالة الملك أمس، في افتتاح الدورة العادية للبرلمان، عن ضرورة إحداث تغيير حقيقي في مؤسساتنا ومجتمعنا، حتى نصل إلى الأردن الذي نريده، فقد استهلكنا ما يكفي من الوقت في النقاشات التي لا تنتهي، وفي وضع الخطط والإستراتيجيات التي نحتفي بإطلاقها، ثم لا نرى من نتائجها ما يكفي لإحداث الفرق في حياة الناس.

في مرحلة لا تحتمل المزيد من التردد، لا يمكن أن نظل أسرى الأدوات نفسها التي ندير بها شؤوننا منذ سنوات، بينما العالم من حولنا يتغير بسرعة هائلة. هناك فرص ينبغي اغتنامها، وتحديات لا يمكن تأجيل مواجهتها، ومشروع وطني كبير عنوانه مستقبل الأردن، يفترض أن يلتف حوله الجميع، وأن تتجه إليه جهود الدولة ومؤسساتها.
هذا هو حجر الزاوية الذي ينبغي أن نتوقف عنده في قراءة الخطاب الملكي، فالملك يريد دولة تنجز، ومؤسسات ومسؤولين لا يخشون اتخاذ القرار، ولا يكتفون بإدارة العمل اليومي وانتظار التعليمات. يريد أن يرى أثر التحديث في المدرسة والمستشفى والشارع، وفي فرص العمل والاستثمار، وفي الخدمات التي يحصل عليها المواطن.
التحول المطلوب لا يتعلق بالمؤسسات وحدها، فالمجتمع أيضا معني بمراجعة بعض أنماط تفكيره، وطريقة تعامله مع القضايا الوطنية. لا يمكن أن نتحدث عن نهضة حقيقية، بينما يظل جزء من نقاشنا العام مشغولا بالتشكيك وإشاعة الإحباط، والتقليل من الإنجاز، وكأن المستقبل مغلق أمامنا.
الملك لا يريد أن يتوقف الناس عن النقد، فالنقد الجاد ضرورة لأي مشروع إصلاحي، والمساءلة هي التي تحمي المؤسسات من الترهل. لكن هناك فارقا كبيرا بين نقد يريد الإصلاح، وخطاب لا يرى في البلد إلا الإخفاق، ولا يترك للناس مساحة للأمل أو الثقة بقدرتهم على التغيير.
ما يحتاجه الأردن اليوم هو استعادة الشعور بوجود مشروع وطني واحد، يتقدم على المصالح الضيقة والحسابات الصغيرة، ليجعل مستقبل الدولة وازدهارها قاسما مشتركا بين الجميع.
نحن نعيش في منطقة لا يهدأ فيها الصراع، وقد أصبحت لغة الحروب أعلى من كل حديث عن التنمية. لكن الملك لا يريد للأردن أن يبقى رهينة لهذا المشهد، فالتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية ينبغي أن لا تمنعنا عن العمل. الأردن الذي استطاع تجاوز أزمات كثيرة، يستطيع أيضا أن يواصل بناء مستقبله، شرط أن نحسن استثمار إمكاناته، وألا نهدر الفرص المتاحة أمامنا.
لقد تحدث الملك بيقين كبير عن الأردن وقدراته، فهو لم يتجاهل حجم التحديات، لكنه بدا واثقا بأن هذا البلد، على صغر مساحته ومحدودية موارده، يمتلك ما يؤهله لأن يكون أكثر قوة واستقرارا وازدهارا. إنها ثقة نحتاج إليها اليوم، خصوصا في وقت تتسع فيه مساحة القلق، ويشعر فيه كثيرون بأن الأزمات المحيطة بنا قد تستمر طويلا.
كان الملك يتحدث بروح كبير الأسرة الذي يعرف ما يواجهه أبناؤها من صعوبات، لكنه يدرك أيضا أنّ الاستسلام للقلق لن يحل مشكلة، وأن المطلوب هو التماسك والعمل والنظر إلى الأمام بأمل.
الملك أراد أن يضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وأن يقول إنّ المرحلة المقبلة تحتاج إلى عمل مختلف، وإلى إرادة لا تسمح بأن تضيع السنوات في الدوران حول المشكلات نفسها. لقد حان الوقت لأن ننتقل من الحديث عن المستقبل إلى صناعته، وأن نتعامل مع التحديث كضرورة لا بد منها. هذا هو التحول الذي يريده الملك، وهو أن نثق بقدرة الأردن على التقدم، وأن نعمل بما يكفي لترجمة هذه الثقة إلى واقع.

الغد




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :